الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
نفحات الولاية
حقيقياً مالم يؤمن بوحدة الوجود والموجود ، وذلك لأنّ وحدة الوجود تشكل الركيزة الأصلية لقضية التصوف ! وبالطبع فانّ بعض كلماتهم يمكن حملها على المعاني الصحيحة والصائبة من قبيل أنّ الوجود الحقيقي القائم بالذات في العالم واحد وكل ما سواه تابع له مستمد وجوده منه ( كما أوردنا ذلك سابقاً في التشبيه بالمعاني الأسمية والحرفية ) أو كل ما عدا الذات الإلهية المقدسة - الوجود المطلق من جميع الجهات - يمثل موجودات صغيرة ضئيلة ليس لها شأناً يذكر ولكن لا يعني ذلك أنّها لا تمتلك وجوداً واقعياً حقيقياً . ولكن الذي لا شك فيه هو أنّ بعض أقوالهم وعقائدهم لا يمكن تبريرها والتماس التفسير الصائب لها ، فهم يصرحون بأن ليس في عالم الوجود أكثر من وجود واحد وكل ما سواه سراب وخيال ، وأبعد من ذلك تصريحهم بأنّ الوثنية وعبادة الأصنام لو خرجت عن شكلها المحدود فهي عين عبادة اللَّه ، لأنّ كل العالم هو ، وهو كل العالم . فهذا الكلام يستتبع لوازم فاسدة ليست بخافية على أحد على ضوء العقائد والتعاليم الإسلامية ، ناهيك عن تعارضها والوجدان بل البديهيات وانكارها للعلة والمعلول والخالق والمخلوق والعابد والمعبود ، وذلك لأنّه لم يعدّ هناك من مفهوم للفارق بين المعبود والعبد والشارع والمكلف ، بل حتى الجنّة والنار وأهلهما ، فكلها واحدة وكلها عين ذاته وما هذه الكثرة والتعدد الا وهم وخيال ولو أزيلت هذه الغشاوة عن أبصارنا فسوف لا نرى إلّا وجوده سبحانه ! إلى جانب ذلك فان من لوازم ذلك القول بجسمية اللَّه والحلول وما إلى ذلك . وعليه فعقائدهم لا تنسجم مع الوجدانيات والأدلة العقلية ولا تتفق مع العقائد الإسلامية وتعاليم القرآن الكريم ، ومن هنا انبرى المرحوم المحقق اليزدي ( ره ) - الفقيه المعروف - ليكتب في عروته الوثقى في مبحث الكفار : « لا إشكال في نجاسة الغلاة « 1 » والخوارج والنواصب وأمّا المجسِّمة والمجبِّرة والقائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلّامع العلم بالتزامهم بلوازم مذهبهم من المفاسد » « 2 » .
--> ( 1 ) « الغلاة » هم المغالون في الأئمة عليهم السلام ولا سيما علي عليه السلام فعدوه هو اللَّه أو أنّه اتحد به . و « الخوارج » هم أصحاب النهروان الذين أسماهم النبي صلى الله عليه وآله بالمارقين وقد قتلهم الإمام شر قتلة في النهروان . وأمّا « النواصب » فهم أعداء أهل البيت عليهم السلام . ( 2 ) العروة الوثقى ، بحث نجاسة الكافر ، المسألة 2 .