الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

58

نفحات الولاية

أنّ الشريفة « الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى » « 1 » دليل على جسمية اللَّه وأنّه على العرش ، بينما تفيد كلمة « استوى » معنى السيطرة على الشيء ولا تقتصر على معنى التربع على الشيء أو الاستقرار عليه ، بل هناك تعبير كنائي معروف ومتداول بشأن تزعم الأمور والأخذ بزمامها في مقابل اعتزال السلطة وانفلات القدرة ، فيقال « اسْتَوى عَلى العَرْشِ » في مقابل « ثل عرشه » ولا يراد كسر عرش السلطة أو التربع عليه . وعليه فالذي تفيده الآية الكريمة « اسْتَوى عَلى العَرْشِ » هو استقرار حكومته وسلطته سبحانه على العرش . على كل حال يبدو من السذاجة والسخرية الاستدلال بهذه الآية على جسميته سبحانه . 2 - يشرح الإمام عليه السلام في هذه العبارة « كائن لا عن حدث » أزليته سبحانه وكون ذاته غنية عن الحدود من ناحية الزمان ، ثم يقول عليه السلام : « موجود لا عن عدم » وهذا هو الفارق بينه وبين جميع المخلوقات المسبوقة بالعدم والحدوث ، بينما لم تسبق الذات الإلهية بمثل ذلك العدم والحدوث . بل لا يمكن وصفه بصفتي « الكائن » و « الموجود » دون تنقية مفهومها من صفات المخلوقات المسبوقة بالعدم . « 2 » 3 - العبارة الأخرى تضمنت إشارة رائعة إلى كيفية الرابطة السائدة بين المخلوقات والخالق والممكنات بواجب الوجود ، حيث قال عليه السلام : « مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة » . لقد ذهب أغلب الناس وحتى أغلب الفلاسفة والعلماء إلى أنّ الرابطة التي

--> ( 1 ) سورة طه / 5 . ( 2 ) لقد ذهب بعض شرّاح النهج إلى أنّ العبارتين المذكورتين إنّما تبينان موضوعاً واحداً ، بينما اعتبر البعض الآخر - مثل ابن أبي الحديد - أن قوله عليه السلام : « كائن لا عن حدث » إشارة إلى الحدوث الزماني في العبارة الأولى ، ولم ينف حدوثه الذاتي الا في كلمته الثانية بغض النظر عن الزمان لأنّه واجب الوجود . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 79 ) . في حين ذهب آخرون إلى عكس ذلك ففسروا العبارة الأولى بنفي الحدوث الذاتي أو الذاتي والزماني ، والعبارة الثانية بنفي الحدوث الزماني . ( شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، 1 / 127 ) . ولكن لم يقم دليل واضح على أي من هذا التفاوت ، لأن مفردة الحدوث عادة ما تطلق على الحدوث الزماني ، كما يمكن حملها على الحدوث الذاتي أيضاً ، وهكذا يمكن إطلاق نقطة العدم على العدم الذاتي والتي غالباً ما تطلق على العدم الزماني . وعليه تبدو هاتان العبارتان متأكدتان في معناهما وهو نفي الحدوث الزماني والذاتي ؛ على أنّهما تنفيان أي حدوث وعدم عن الذات الإلهية سواءً بالنسبة للذات والزمان .