الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

52

نفحات الولاية

مفهوم عظيم وسامي لا ينسجم وما أورده الشرّاح في هذه العبارات ، ومن المستبعد أن يكون هذا هو المراد به . أمّا المفهوم الوحيد الذي يناسبه هو تنزيه الاعتقاد باللَّه تبارك وتعالى ؛ أي تنزيهه في وحدته عن كل شبيه ومثيل ، إلى جانب تقديسه عن التركيب من الأجزاء . وقد أشار الإمام عليه السلام إلى هذا المعنى في المرحلة الخامسة حين قال : « وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه » . وبعبارة أخرى فان الحديث في المرحلة السابقة قد تناول الاخلاص على نحو الإجمال ، فلما بلغ الاخلاص هنا مرحلة الكمال غاص في التفاصيل ، ليتضح من ذلك أنّ الاخلاص في التوحيد يتطلب تنزيهه عن كافة الصفات التي يتصف بها المخلوق ، سواء كانت هذه الصفات بمعنى التركب من الأجزاء أم غيرها ، وذلك لأننا نعلم بأنّ جميع الممكنات بما فيها العقول والنفوس المجردة هي في الواقع مركبة ( على الأقل مركبة من الوجود والماهية ) وحتى المجردات ؛ أي الموجودات الخارجة عن المادة هي الأخرى ليست مستثناة من هذا التركب ، أمّا الموجودات المادية فكلها متركبة من الأجزاء الخارجية ، لكن الذات الإلهية المقدسة لا تشتمل على الأجزاء الخارجية ولا الأجزاء العقلية ، لا يمكن تجزأته في الخارج ولا في إدراكنا وفهمنا . وكل من غفل عن هذه الحقيقة لم يظفر بالتوحيد الخالص ، ومن هنا يتضح بأنّ مراده عليه السلام بقوله « كمال توحيده نفي الصفات عنه » ليس الصفات الكمالية ؛ لأنّ كافة الصفات الكمالية من قبيل العلم والقدرة والحياة وما إلى ذلك من الصفات ثابتة له ، بل المراد الصفات التي ألفناها وتعرفنا عليها وهى صفات المخلوقين المشوبة بالنقص . فالمخلوقات لها حظ من علم وقدرة ، غير أنّ علمها وقدرتها محدودة ناقصة مشوبة بالجهل والضعف والعجز ، بينما الذات الإلهية منزهة عن مثل هذا العلم والقدرة وأفضل دليل على ذلك ما أورده الإمام عليه السلام في ذيل هذه الخطبة بشأن الملائكة فوصفهم بقوله : « لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين » . أضف إلى ذلك فان صفات المخلوقات منفصلة دائماً عن ذواتها ، أو بعبارة أخرى فانّ صفاتها زائدة على ذواتها . فالإنسان شيء وعلمه وقدرته‌آخر ، وبناءً على هذا فوجوده مركب من هذين الشيئين ، والحال أنّ صفات اللَّه عين ذاته وليس هنالك من سبيل لهذا التركب . والواقع أنّ أعظم عقبة تعترض مسيرة التوحيد إنّما تكمن في قضية