الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

50

نفحات الولاية

والواجبات والوظائف والأخلاق ، ومن المعلوم أنّ دعامتها الأساسية هي « معرفة اللَّه » ، وعليه فمعرفة اللَّه تمثل الخطوة الأولى على الطريق من جانب والمحور الرئيسي لكافة أصول الدين وفروعه ، وليس لهذا الدين من حيوية دون هذه المعرفة - أمّا أولئك الذين يعتقدون بأنّ هناك شيئاً آخر قبل معرفة اللَّه ، إلّاوهو النظر في طريق معرفة اللَّه والتحقيق بشأن الدين ووجوب المطالعة ، فهم على خطأ كبير . وذلك لأنّ وجوب التحقيق يمثل أول الواجبات ، بينما تمثل معرفة اللَّه أول دعامة للدين ، أو بعبارة أُخرى فان التحقيق مقدمة ومعرفة اللَّه أولى مراحل ذي المقدمة . « 1 » والنقطة الأخرى المفروغ منها هي أنّ المعرفة الإجمالية قد أودعت فطرة الإنسان ولا تتطلب أدنى تبليغ بهذا الشأن ، وإنما بعث الأنبياء لاستبدال هذه المعرفة الإجمالية بتلك المعرفة التفصيلية الكاملة المتقنة وإغناء جوانبها وتطهير الفكر البشري من أدران الشرك وأرجاسه . ثم قال عليه السلام : « وكمال معرفته التصديق به » . هنالك عدّة تفاسير للفارق بين التصديق والمعرفة . بادئ ذي بدء المراد هنا بالمعرفة هي المعرفة الفطرية ، والمقصود بالتصديق المعرفة العلمية والاستدلالية . أو أنّ المراد بالمعرفة هنا المعرفة الإجمالية ، والمقصود بالتصديق المعرفة التفصيلية . أو أنّ المعرفة تشير إلى العلم باللَّه ، والتصديق يشير إلى الإيمان ، لأنّ العلم لا يفارق الإيمان ، فالإنسان قد يوقن بشيء إلّاأنّه لا يؤمن به قلبياً - بمعنى التسليم له والاذعان به قلبياً ، أو بتعبير آخر الاعتقاد به - . وأحياناً يضرب الفضلاء مثلًا لانفصال هذين الأمرين عن بعضهما ، فيقولون : إنّ أغلب الأفراد يشعرون بالهلع ولا سيما في الليلة المظلمة حين البقاء إلى جانب ميت في غرفة خالية ، رغم علمهم بأنه ميت ، لكن كأن العلم لم ينفذ إلى أعماقهم ويتسلل إلى قلوبهم ، فلم يحصل ذلك الإيمان المطلوب وبالتالي فقد تمخض عن هذا الهلع والخشية . وبعبارة أخرى فانّ العلم هو تلك المعرفة القطعية بالشيء ، إلّاأنّها قد تكتسب صبغة

--> ( 1 ) لقد ذهب المرحوم العلّامة المعروف « محمد جواد مغنية » في كتابه « في ظلال نهج البلاغة » إلى أنّ هذه المعرفة تعني الطاعة والانقياد لأوامر اللَّه ونواهيه ، وهذا هو المعنى الذي اختاره من قبله الشارح الخوئي - رضوان اللَّه عليه ، فإن كان مرادهما الطاعة بالمعنى الشامل للكلمة بما فيها الأمور العقائدية صح ذلك ، وإن اقتصر على الجوانب العملية فقط يرد عليهما ما أوردناه سابقاً .