الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

نفحات الولاية

عن الحدود وعدم تناهي نعمه وآلائه ؛ الأمر الذي يستبطن ويعلل عجزنا عن إدراك ذاته القدسية واستحالة أداء حقّه في الشكر والحمد ( وهو يشير في هذه المرحلة إلى أربعة أوصاف ) وأخيراً يشير عليه السلام في المرحلة الرابعة إلى خلق العالم والكائنات ، وكأنه أراد أن يكشف النقاب عن هذه الحقيقة وهى أن معرفة الذات الإلهية إنّما تقتصر على هذا السبيل ، والذي يمثل منتهى قدرتنا واستطاعتنا ( ويشير في هذه المرحلة إلى ثلاث من صفاته الفعلية ) . ويفيد هذا الأمر أنّ الدقة والنظام هي الأسس التي استندت إليها هذه العبارات الرفيعة التي تضمنتها الخطبة التي أوردها هذا المعلم الرباني . الآن وبعد هذه النظرة العامة نعود إلى بحث وتفسير هذه الأوصاف الاثني عشر التي اشتملت عليها الخطبة : فقد استهل الإمام عليه السلام خطبته بحمد اللَّه والثناء عليه مع التصريح بالعجز عن أداء حق الحمد ، فقال عليه السلام : « الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقائِلُونَ » . « 1 » وذلك لأنّ أوصافه « الكمالية » و « الجمالية » لا تعرف الحدود ، فما يؤديه الملائكة والناس من حمد ومدح إنّما يتوقف على مقدار معرفتهم بالذات المطلقة لا بمقدار كمالاته جل وعلا . وأنى لسائر الأفراد بزعم المعرفة وهذا النبي الكريم الذي يمثل أعظم أنبياء اللَّه يظهر عجزه عن معرفة الخالق المتعال فيصرح قائلًا : « ما عرفناك حق معرفتك » « 2 » . فإذا عجز الإنسان عن معرفته فكيف يسعه حمده ومدحه ؟ وعليه فان ذروة حمدنا ، ما أورده الإمام عليه السلام ؛ أي إظهار العجز عن حمده وثنائه والاعتراف باستحالة بلوغ هذه الدرجة على جميع مخلوقاته سبحانه . فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ اللَّه أوحى إلى نبيّه موسى عليه السلام أن اشكرني

--> ( 1 ) كثر الكلام بين اللغوين ومفسري القرآن ونهج البلاغة بشأن معنى الحمد والمدح والشكر ، غير أنّ المشهور بينهم أنّ الحمد هو كل مدح إزاء الإعمال الحسنة الاختيارية ؛ بينما ينطوي المدح على مفهوم أوسع يشمل الإعمال الاختيارية وغير الاختيارية ، أمّا الشكر فأخص من المدح ويقتصر على إيصال أحدهم نعمة إلى آخر فيشكره على تلك النعمة . ( من أراد المزيد فليراجع مجمع البحرين ، لسان العرب ، المفردات ، شرح ابن الهيثم وشرح العلّامة الخوئي ) . بينما صرّح بعض مفسري القرآن ونهج البلاغة كالزمخشري في الكشاف وابن أبي الحديد في شرحه أن « الحمد والمدح أخوان ، لا فرق بينهما ) ، ويبدو أن التفسير الأول أصح . ( 2 ) أورد العلّامة المجلسي ضمن توضيحه لبعض الأخبار في البحار ، تعليقاً على كلام المحقق الطوسي هذا الحديث « ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك » دون ذكر سنده . بحار الأنوار 68 / 23 .