الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
418
نفحات الولاية
كلامه عليه السلام بالقول « فانّكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم « 1 » وسمعتم وأطعتم » . والذي يستفاد من الروايات أنّ الإمام عليه السلام قد القى هذه الخطبة في الجمعة الأولى بعد البيعة ، وقد حذر الامّة - طبق رواية الكافي - من خيانة أئمتها ودعاها إلى الوحدة ورص الصفوف واجتناب الاختلاف والفرقة ، ثم أورد هذه الكلمات لتأكيد المعنى المذكور . امّا ما هي المواضيع التي سيشهدها الإنسان في عالم ما بعد الموت بعد أن تطرح عنه الحجب فيسوده القلق والاضطراب والجزع ، فهذا ممّا اختلفت فيه أقوال العلماء ، لكن المسلم به أن هناك موضوعين مهمين : أحدهما انّه سيرى نتائج أعماله وما ينتظره من جزاء وعقاب عليها ، والثاني مدى الحسرة والأسف الذي سيشعر به تجاه تقصيراته التي صدرت منه في حياته الدنيا ، الإمكانات التي كان من شأن إستثمارها أن تبلغ به السعادة والفلاح والفوز بالقرب الإلهي ومجاورة الرحمن ، غير أنه ضيع كل تلك الفرص ، والأدهى من ذلك لا سبيل إلى الرجوع إلى الحياة ثانية . ثم قال عليه السلام : « ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ، وقريب ما يطرح الحجاب » نعم أنّ هذه الحجب هي التي جعلتكم تغطون في هذه الغفلة وتتعلقون بالدنيا وتغترون بها ، ولكن اعلموا إنّ هذه الحجب آيلة إلى الزوال وسترون الأشياء والحقائق كما هي حيث لا ينفع حينها القلق والجزع والفزع ، كما ليس هنا لك من مجال للتوبة . وهنا يبرز هذا السؤال : لم لا يطرح البارىء سبحانه هذه الحجب عن الإنسان في الحياة الدنيا لينتبه إلى نفسه ولا يعيش السكر والغفلة ؟ يبدو أنّ الآيات القرآنية قد تكفّلت بالإجابة على هذا السؤال : فلو طرحت هذه الحجب ورأى الناس الحقائق على صورتها فانّ أدنى تمرد سيؤدي إلى مواجتهم للعذاب الشديد حيث لم يعدّ هنالك من عذر للتقصير . فقد صرّحت الآية الثامنة من سورة الأنعام و « ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون » .
--> ( 1 ) « وهلتم » من مادة « وهل » على وزن « وهب » بمعنى فقد صبره في مقابل الحوادث الصعبة ، وتأتي بمعنى الخوف وأحيانا بمعنى التأوه والأنين .