الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

408

نفحات الولاية

رام الدقة في أداء المعنى ، والخلاصة تبدو عملية الجمع بين المعنى واللفظ ليست بالهينة ؛ الحقيقة التي يمكن مشاهدتها بوضوح في القرآن الكريم الذي جمع العمق في المعنى إلى جانب الرصانة والسبك في اللفظ . أمّا عمق القرآن فقد تلاشت على سطحه كافة الأفكار وتصاغرت أمامه جهايذة العقول ، وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله الثابع من ذاته المقدسة المطلقة ، ولعل المتتبع يشعر بحقيقة هذه الكلمات ارا ما طالع أي من السور القرآنية لتتجسد أمامه بوضوح الصفتين التين أوردها الإمام عليه السلام بشأن القرآن . وأمّا الصفة والرابعة للقرآن فهي « لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه » . ولعل الفارق بين هاتين العبارتين هو أنّ العبارة الأولى تتحدث عن خلود العجائب والحقائق القرآنية السامية ، وذلك لأننا الكثير من الكتب والمؤلفات والمصنفات التي كانت أعجوبة في زمانها ، إلّاأنّ تقادم الزمان قد سلبها تلك الميزة وجردها من اعجوبتها ، والقرآن ليس كذلك ، فلا يزداد قارىء القرآن ومعبده إلّالذة وحلاوة وطلاوة ، بل إنّ قراءته قد تشكف له كل يوم ما كان غائباً عنه بالأمس ؛ فتظل لألفاظه ومعانيه مواقع السحر في النفس . وأمّا العبارة الثانية فهي تتحدث عن أسرار القرآن التي تتكشف يوما بعد آخر . أمّا الصفة الأخيرة للقرآن فهي « ولا تكشف الظلمات إلّابه » ليس فقط ظلمة الجهل وظلمة الكفر وإنعدام الإيمان والتقوى ، بل ليس لظلمات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دون التعاليم القرآنية . فاليوم وإن ازدهر العالم من حيث الصناعة وقطع أشواطاً في الرقيالتطور ، مع ذلك فهناك الظلمات الهائلة التي ألقت بظلالها المشؤومة على المجتمعات البشرية التي فأنّ من المعارك والاقتال وسفك الدماء واستضحال أنواع الظلم والجور والاضطهاد والفقر والحرمان ، والأنكى من كل ذلك انعدام الا من والاستقرار وسيادة الفوض والقلق والاضطراب ، وما ذلك إلّانتيجة مباشرة لغياب معاني الإيمان والتقوى والفقر الأخلاقي والمعنوي ، وليس هنالك من سبيل للخروج من هذه المآزق سوى بالتمسك بالقرآن بل الأدهى من ذلك هجر القرآن واللجوء إلى الآراء الظنية والأفكار البشرية القاصرة على مستوى الأحكام من قبل قطاعات واسعة من المسلمين .