الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
403
نفحات الولاية
مثل هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وآله ؛ وذلك لأنّ حتى أولئك الذين لا يقرون بمسألة العصمة بصورة مطلقة ويظنون بعدم وجود الدليل على عصمة النبي صلى الله عليه وآله في كافة الميادين ، فانّ الحد الأدنى أنّهم يسلمون بعصمته في التبليغ وأداء الوحي ، حيث لا يبقى من مفهوم للنبوة والرسالة دون الاعتقاد بالمعنى المذكور . آنذاك يعود الإمام عليه السلام إلى أصل المسألة فيكشف النقاب عن هذه الحقيقة وهى أنّ الإسلام قد شرع كل ما من شأنه تلبية حاجات البشرية ومتطلياتها ، وعليه فالإمام عليه السلام يصادر ما أوردوه من قولهم « ما لا نص فيه لاحكم فيه » بالاستناد إلى قوله « والله سبحانه يقول : « ما فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان لكل شيء » « 1 » فالآيتان دليلان واضحان على أن الله لم ينزل ديناً ناقصاً عولهم يستعن بأحد لا كماله ؛ بل جاء في القرآن كل ما يحتاج إليه ، بعضها في العمومات وبعضها الآخر في الأحكام الخاصة التي سيأتي الحديث عنها إن شاء الله في مبحث التأملات ولم ينس الإمام عليه السلام أن يسلب حربة التناقض من القضاة الذين يستشهد كل منهم بآية يتباين مفهوماً وسائر الآيات فقال عليه السلام : « وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنّه لا إختلاف فيه » ثم يعزز الإمام عليه السلام دعوى عدم الاختيارات فيالآيات القرآنية متشهدا بالقرآن « فقال سبحانه ! ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيراً » « 2 » . فالواقع أنّ علم الإنسان محدود ، وأنّ تقادم الزمان أو تغيير المكان وكشف الظواهر الجديدة إنّما يدعوه إلى تغيير أفكاره باستمرار ، ومن هنا فقد يورد كاتب بعض الموضوعات المتناقضة خلال حياته ، وليس ذلك بعجيب ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فان رصيد الإنسان النسيان ، فلعه يتحدث اليوم عن شيء فينساه بعد شهر أو سنة ليتحدث عن خلافه . إلّا أنّ هذه الأمور لا تصدق على البارىء سبحانه العالم بكل شيء « وما كان وما يكون » والعالم بالمحال لو كان كيف يكون ، فليس لمرور الزمان من أثر على ذاته المقدسة ؛ فهو فوق الزمان والمكان ، وناهيك عن هذا فليس هنالك من مفهوم للنسيان بالنسبة لله سبحانه ،
--> ( 1 ) لابدّ من الالتفات إلى أن قوله « ما فرطنا في الكتاب من شئى » هو نص الآية 38 من سورة الأنعام ، أمّا قوله « فيه تبيان لكل شيء » فهو مضمون الآية 89 من سورة النحل لا عينها « ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء » . ( 2 ) سورة النساء / 82 .