الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

379

نفحات الولاية

والسنّة النبوية ، ولكن ما جدوى ذلك وهو يفتقر إلى تقييمها الصحيح ، فهو لا يمتلك العلم بمضمونها ولا بقوة سندها من ضعفه ، كما لا يعرف الجمع بين الروايات المتعارضة ولا يميز المحكمة من المتشابهة . فهو بالضبط كالريح الهشيم التي تذرو النباتات هنا وهناك . فالنباتات الجافة ( الهشيم ) قد لا تكون لها أية فائدة ، بينما قد تفيد إذا جمعت ، أمّا الريح الهوجاء تزيل حتى هذه الفائدة الضئيلة من خلال ذروها وتفريقها ، وهذا ما عليه الحال بالنسبة للأفراد الجهال الذين يتعاملون مع الروايات دوتن أن تكون لهم معرفة صحيحة بغشها من سمينها وصحيحها من سقيمها . ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى صفتهم الرابعة ، ليقسم بأنّ هؤلاء الجهال ليسوا حريين بحل ما ترد عليهم من قضايا ولا جديرين بأدنى مدح واطراء يمارسه المتلمقون تجاههم « لاملي - واللَّه - باصدار « 1 » ما ورد عليه ، ولا أهل لما قرظ « 2 » به » . ممّا لا شك فيه أنّ الفصل في الخصومات القضائية والذي يصطلح عليه الفقهاء برد الفروع إلى الأصول إنّما يتطلب رصيداً علمياً ثراً لا يتحلى به هؤلاء الجهال المغرورون ، وهذه الضحالة العلمية تفحمهم وتجعلهم يضلون سبل التعامل مع القضايا فلا يميزوا كيفية الدخول فيها أو الخروج منها ( المراد بالدخول والخروج هنا ما تعارف بشأن الموضوعات المطروحة على العلماء فيقال أن فلاناً يعلم كيف يرد هذه المسائل وكيف يخرج منها ، والفرد الجاهل يفتقر بالمرة لهذه المسألة ) . أمّا إحدى مشاكل هؤلاء الأفراد هي إطاحتهم بثلة من المتملقين الذين يهدفون إلى تحقيق مطامعهم الدنيوية فيطرونهم بمختلف ألوان المدح والثناء ويضفون عليهم ما لا يستحقونه من الصفات ، فيطرب هؤلاء الجهال لمثل هذه الأكاذيب والنعوت الفارغة رغم علمهم بكذبها وزيفها إلّاأنّهم وبمرور الزمان يظنون أنّهم كذلك وهذه قمة البؤس والشقاء التي يبلغونها بحيث تغلق أمامهم كافة سبل النجاة . « 3 »

--> ( 1 ) « اصدار » من مادة « صدور » ضد الدخول . ( 2 ) « قرظ » بمنى مدح . ( 3 ) ذكر بعض شراح نهج البلاغة هنا المفردة « فرط » من مادة التفريط و « فوض » من مادة التفويض بدلاد من « قرظ » من مادة « التقريظ » بمعنى المدح والثناء . وحيث آلينا على أنفسنا ألانجرى خلف اختلاف نسخ نهج‌البلاغة ونكتفي بالنسخة المعروفة المتداولة اليوم ، لذلك نغض الطرف عن الخوض في ما ذكروه .