الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

377

نفحات الولاية

فقط لا يتوصل إلى النتيجة الصائبة فحسب ، بل سيغط في هالة من الحيرة والتخبط والضلال كما سيسوق الآخرين إلى الضلال ؛ والأنكى من ذلك أنّه كلما تقدم أكثر في هذا المجال ابتعد أكثر عن الوقائع والحقائق . ثم يواصل الإمام عليه السلام كلامه « فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت « 1 » » . وقد اختلفت أقوال الشرّاح بشأن التشبيه الذي استعمله الإمام عليه السلام في هذه العبارة ، فأوردوا بعض التفاسير التي لا تخلو من التكلف والتقدير والتغيير في العبارة - أمّا التفسير الذي يبدو مناسباً هو أنّ الإمام عليه السلام شبه هؤلاء الأفراد الجهال المغرورين ضعيفي الفكر بالعنكبوت حيث ينسج لنفسه خيوطاً تكون حرزاً لبيته كما تكون فخاً لصيده ، امّا بيته فهو أوهن البيوت ولا يمكن الوثوق به أبداً ، كما أنّ فخه لا يطيل سوى الحشرات الضعيفة العاجزة . نعم هذا الجاهل أيضاً ليس لفخه من دور سوى صيد أمثاله من الجهال الحمقى . وعليه فهو كالعنكبوت وأفكاره كخيوطه وهمية ضعيفة وحيدة يقتصر على المغفلين عديمي العلم والمعرفة . « لا يدري أصاب أم أخطأ ، فان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وان أخطأ رجا أن يكون قد أصاب » . هذا هو حال الأفراد الجهال الذين يتصدون إلى المناصب الهامّة التي لا يمتلكون الجدارة لممارستها . فهم على شك وترديد دائماً ، حتى أنّ اتجهة صوب الصواب فحيث لا يؤمن بذلك فهو متزلزل يطلق سهمه في الظلام دائماً عله يصيب الهدف . ويتصور بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الجملة الأخيرة تتناقض والعبارة « ثم قطع به » لأنّ تلك العبارة تحدثت عن القطع واليقين بينما تتحدث هذه العبارة عن الشك والترديد . والحال أنّ العبارة « ثم قطع به » تعني الحكم القاطع لا قطع القاضي ويقينه ، فالواقع أنّه يحكم فقط ويتخذ لنفسه صيغة القطع ، بينما يفيض باطنه بعاصفة من الشك والترديد . نعم مصيبته الكبرى في دينه ، فان أصاب الواقع مصادفة شعر بالتزلزل لأنّه لا يملك الإيمان واليقين ، وان هذا التزلزل يؤرقه ولا يجعله قادراً على اتخاذ القرار ؛ وان أخطأ فان سبيل الرجوع مغلق بوجهه لأنّه ليس واقفاً على خطأه . ثم انتقل الإمام عليه السلام إلى صفة أخرى ليصور حال هؤلاء الأفراد بتعبيرات قارعة

--> ( 1 ) « العنكبوت » هي الحشرة المعروفة ، وهناك اختلاف في أصلها من مادة عكب أن عنكب ، وقيل اقتبست من مادة « عكوب » بمعنى الغبار لأنّ خيوطه تشبه الغبار .