الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
363
نفحات الولاية
البلاغة التي يعظ فيها ولده الحسن عليه السلام أنّه قال : « ومن اقتصر على قدره كان أبقى له » وجاء في الكلمة 149 من قصار الحكم « هلك امرء لم يعرف قدره » . كما ورد في الرواية أنّ شخصاً قال للإمام الكاظم عليه السلام مررت بالسوق فإذا هو يقول أنا من شيعة محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وهو يبيع الثياب بأكثر من ثمنها . فقال الإمام عليه السلام : « ما جهل ولا ضاع امرء عرف قدر نفسه » . « 1 » هناك احتمال آخر بالمراد من معرفد قدر النفس في العبارة المذكورة وهو ألا ينسى الإنسان طبيعة خلقته فيقتصر بها على الجانب المادي المتعلق بالجسم دون الاهتمام بالمسائل المعنوية فيبيع نفسه ببعض الأمور المادية التي تفتقر إلى القيمة الحقيقية . فالإنسان يتمتع بالروح التي تنتمي إلى عالم السمو والرفعة ، أنّه خليفة اللَّه في الأرض . أنّه كائن ملكوتي لا موجود ترأبي وإن تقولب مدّة معينة في هذا القفص المادي من أجل نيل الكمال . وعليه فالعالم من عرف نفسه ووقف على قدرها ومنزلتها ، ويلتفت إلى تكريم اللَّه سبحانه له على من سواه ، والجاهل من جهل قدر نفسه فقذف بها في مستنقع الأهواء والشهوات . بالكن بالالتفات إلى قوله « من اقتصر على قدره كان أبقى له » وكذلك العبارة المعروفة لدى العلماء استنباطاً من الأحاديث المشهورة « العالم من عرف قدره ولم يتجاوز حده » يبدو أنّ الأنسب هو المعنى الأول ، ويؤيده مضمون الخطبة الذي يتناول قصة طلحة والزبير وآمالهم الزائفة . 2 - الاعتدال هو الصراط المستقيم إنّ أدنى نظرة إلى عالم الخلقة تفيد أنّ بقاء العالم إنّما يستند إلى مسألة الاعتدال والتوازن في القوى . فالمنظومات السماوية العظيمة إنّما حفظت بتوازن القوة الجاذبة مع القوة الدافعة ، فلو تقدمت أحداهما على الأخرى أو ابتعدت لما بقي أثر لتلك المنظومات ، ولو اقتربتا وتصادمتا لأدّيا إلى انفجار هائل يقود إلى انعدامها . والقانون المذكور الذي يحكم ذلك العالم الكبير كما يصدق على العالم الصغير أي عالم الإنسان ، حيث تكون سلامة حياته ورمز بقائها مرهونة بحالة الاتزان التي تسود مختلف قواه الروحية والجسدية ، من قبيل العناصر الداخلة في
--> ( 1 ) بحارالأنوار 65 / 157 « مع قليل من التخليص والإيجاز » .