الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
نفحات الولاية
فالعبارة إشارة للمسألة المعروفة لدينا بأنّ السبل المنحرفة التي تقود الإنسان إلى الضلال . ولعل المراد باليمين والشمال هو الإفراط والتفريط الذين لا يوصلان إلى الهدف الذي لا سبيل إليه سوى الصراط المستقيم الذي يمثل الاعتدال بين الإفراط والتفريط ، ومن هنا صرّح القرآن الكريم بقوله : « وَكَذ لِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » « 1 » . وقد صرّح كبار علماء الأخلاق بأن كافة الصفات الفضلى إنّما هي الاعتدال بين الصفات الرذيلة التي تقع على طرفي الإفراط والتفريط . وذهب بعض مفسّري نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالطريق الوسطى مسألة الإمامة وولاية الأئمة المعصومين التي يقود الإفراط والتفريط فيها إلى الضلال . ولا نرى من ضير في أن تختزن هذه العبارة كافة المعاني فتشمل قضية الولاية كما تشمل سائر المسائل العقائدية والعملية والأخلاقية . أمّا بشأن معرفة اللَّه فقد وقعت طائفة في مصيدة التشبيه فتشبهت الخالق بمخلوقاته ، بينما ذهبت أخرى إلى تعطيل معرفته على أن ذات الخالق وصفاته متعذرة على البشر حتى المعرفة الإجمالية ، وهناك الحد الوسط بين التشبيه والتعطيل والذي يعني معرفة اللَّه عن طريق أفعاله دون كنه الذات . وبالنسبة لأفعال العباد فليس الجبر صحيحاً ولا التفويض ، والطريق الوسط هو الأمر بين الأمرين ، وهكذا القول بشأن الولاية لا الغلو صحيح ولا التقصير ، وهذا ما يصدق على الأخلاقيات والأعمال ، فمثلًا في الانفاق الصحيح هو الحد الوسط بين البخل والاسراف . والطريف أنّ الفرق التي وقفت بوجه الإمام عليه السلام لم تخرج من تلك الحالتين ، ففرقة الخوارج سلكت الافراط ، بينما انتهج أهل الشام التفريط ، وقد ضلت الفئتان في معرفة الإمام عليه السلام . ثم خاض عليه السلام في خصائص الجادة الوسطى المعتدلة « عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ، ومنها منفذ السنّة ، وإليها مصير العاقبة » . هناك تفسيران لقوله عليه السلام : « عليها باقي الكتاب » : أحدهما المراد القرآن الكريم ؛ الكتاب الخالد والذي انفرد بالمعارف والقوانين والأحكام التي
--> ( 1 ) سورة البقرة / 143 .