الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

354

نفحات الولاية

حمل عليها أهلها ، وخلعت نجمها ، فتقحمت بهم في النار » ياله من تشبيه رائع ، فركوب الفرس الجامح خطير ، وتشتد الخطورة إذا فقد لجامها الذي يلجم عنانها ، ثم تتضاعف هذه الخطورة أكثر من ذي قبل إذا كان هذا الجموح في أرض تشتمل على بعض المطيات . وهذا هو التصوير الواقعي للذنب ، فارتكاب الذنب يقود الإنسان إلى ذنب آخر وهكذا ، على سبيل المثال قد يرتكب الإنسان خيانة فيكتمها ، وإذا استجوب حال مالا يحصى من الأكاذيب للتغطية على خيانته كما يقسم كاذباً أو يلجأ إلى اتهام الآخرين ، فإذا لم يجد ذلك نفعاً ربما لا يتورع عن سفك دم من يعلم بخيانته ، بغية عدم افتضاح أمره وهكذا يصبح أرضية خصبة لمقارفة ما شاء من الذنوب ؛ ولا غرو فقد أصبح كالخيل الشموس التي خلع لجامها فهي تقذف بصاحبها إلى الهاوية . ثم ذهب عليه السلام إلى الصورة المعاكسة التي شبه فيها التقوى بالخيل الذلول فأوصلت راكبهاالموضع الذي يريد « ألا وإن التقوى مطايا ذلل « 1 » حمل عليها أهلها ، وأعطوا أزمتها ، فأوردتهم الجنّة » نعم فالأعمال الصالحة سلسلة متعاقبة الحلقات ، فالعمل الصالح يكون سبباً لآخر وهكذا الإتيان بسائر الأعمال الصالحة . على سبيل المثال إذا ربّى أحدهم ولده تربية صالحة فسيعده للإتيان بالخيرات والبركات ، وسيكون له تأثيره البالغ في وسطه بما يحث رفاقه وأصحابه على القيام بمثل هذه الأعمال ، وهكذا يسير المجتمع نحو السعادة والصلاح والفلاح . جدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام عبر عن الذنوب بالخيل الشمس وعن التقوى بالمطايا الذل ، فالخيل من مادة خيال ، فيطلق « المختال » على الفرد المغرور والمتكبر الذي يعيش الخيالات ، ومن هنا اصطلح على الفرس بالخيل لأنّه عادة ما يدعو راكبه إلى الغرور والفخر . على العكس من المطايا جمع مطية من مادة المطو على وزن العطف بمعنى الجد والنجاة في السير ؛ وبناءً عى هذا فان المطية دابة هنيئة سريعة تسير قدماً نحو الإمام عليه السلام بكل هدوء دون أن تجمح بصاحبها وتقحمه في المتاهات - ومن هنا تتضح ذروة فصاحته وبلاغته في كلماته عليه السلام

--> ( 1 ) « ذلل » جمع « ذلول » وهى المروضة الطائعة .