الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
352
نفحات الولاية
الأنبياء والأقوام السالفة التي تعكس بجلاء أحداث اليوم والمستقبل . الإمام عليه السلام - في هذا المقطع من الخطبة - أشار إلى هذه النقطة المهمّة : « ان من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات ، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات » ثم قال عليه السلام : « الا وان بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللَّه نبيه صلى الله عليه وآله » . ذات الفئات المناهضة للحق ، والانحرافات والضلال والمؤامرات والفتن . فافيقوا وانطلقوا خلف إمامكم مخافة ان تضلوا - ولو أمعنا النظر وقارنا حوادث عصر الإمام عليه السلام بعصر النبي صلى الله عليه وآله لوجدنا شبهاً كبيراً ، وليس هذا إلّاأنّ المنافقين ومن تبقى من عصر الجاهلية سعوا وبشتى الطرق للقضاء تدريجياً على تعاليم النبي صلى الله عليه وآله ؛ ولا سيما أنّهم سعوا لاختراق مراكز القوة لممارسة دور أكبر في تشويه الثقافة الإسلامية واستبدالها بثقافة جاهلية ؛ الأمر الذي لمسنا آثاره بوضوح في العصر الأموي . فالحق أنّ بعض الظواهر الإسلامية كانت قائمة في عصر الخليفة الثالث ، إلّاأنّ هذه الظواهر لم يبقى منها إلّاقشورها في العصر الأموي . على غرار الشعائر الإسلامية كالصوم والصلاة والحج التي كانت سائدة على عهد بني أمية ولكن أية صلاة وصوم وحج ؟ ! 2 - بيان الحقيقة أم رعاية المصلحة كثير هم الذين يعتقدون بأنّ المصلحة تكمن في كتمان الحقائق عن الناس ، حذراً من ابداء ردود الفعل الطائشة ، والحال ليست مصلحة الزعماء ومصالح عموم الامّة - باستثناء بعض الحالات الخاصة - سوى اطلاع الناس على الحقائق وفسح المجال أمامهم لاقتحام الميدان عن علم ومعرفة . فالتعتيم الخبري وتغييب الامّة عن الأحداث يمثل الأسلوب الذي يعتمده الطغاة والجبابرة الذين لا يفكرون سوى في تحقيق أطماعهم ومآربهم ، على العكس من الزعماء الربانيين وأئمة المسلمين الذين يكرسون جهودهم لنجاة الامّة من مشاكلها المادية والمعنوية ، فهم يسعون باخلاص لكشف الحقائق والواقعيات لأنّهم يستنصرون الامّة ويرومون دعمها واسنادها . والطريف في الأمر أنّ الإمام عليه السلام لا يكتم الوقائع عن الامّة - كما ورد في هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلاغة - فحسب ، بل يطلعها حتى على الحوادث المستقبلية التي سمعها من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فيقول لهم لا أبخل عليكم حتى بالأخبار عن الكلمة الواحدة التي من شأنها أن تنبهكم إلى الأخطار المحدقة بكم حرصاً على عدم الاغترار بوساوس الشيطان والوقوع في شباكه .