الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

351

نفحات الولاية

في الإسلام فتعود الجاهلية بأقطابها ليتسلموا زمام الأمور ، ولكن لما كانت هذه الخطبة قد أوردت إثر مبايعة الإمام عليه السلام مباشرة فان المعنى الأول يبدو هو الأنسب . ثم يؤكد الإمام عليه السلام هذا الأمر بقسم آخر « واللَّه ما كتمت وشمة « 1 » ولا كذبت كذبة ، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم » . وما كل هذه الأمور إلّاليفيق الناس ولا يستسلمون للمؤامرات كمؤامرة الجمل وصفين والنهروان ويعلموا أنّهم أمام امتحان صعب فيلتفتوا إلى أنفسهم ، إلّاأنّ المؤسف له هو أنّهم لم يعيروا نصح الإمام عليه السلام أية آذان صاغية ولم يتدبروا الأمر فكان من ذلك أن فشلوا في الامتحان أيما فشل . يبدو أنّ مراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة هو المغيبات التي أطلعه عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وكما ذكرنا في حينه - في مبحث علم غيب النبي صلى الله عليه وآله والإمام - أنّ الأئمة المعصومين هم قادة الامّة على مدى العصور والدهور ولا يمكن لهذه القيادة إلّاتنطوي على علم الغيب والإحاطة بأسرار الماضي والمستقبل ؛ وذلك لأنّ هناك رابطة وثيقة بين حوادث اليوم والأمس والغد ، ومن هنا كانوا يطلعون أصحابهم على جانب ممّا ينتظرهم في المستقبل أو يعلنوا ذلك للناس ليكونوا أكثر حزماً ووعياً في التعامل مع الأحداث وينأوا بأنفسهم بعيداً عن حبال الشيطان وشراكه . وهذا ما نلمسه بوضوح كراراً ومراراً في سيرة الإمام علي عليه السلام وكيف أنّه حذر الامّة ولفت انتباهها إلى الأخطار التي تتربص بها . ومن الطبيعي أن يتعظ البعض ويتمرد البعض الآخر . تأمّلان 1 - التأريخ يعيد نفسه من المعروف أن الأحداث التأريخية سلسلة من الوقائع المتكررة التي تتخذ أشكال مختلفة ، ومن هنا فان الأفراد الذين يتأملون بعمق الماضي التأريخي يتمكنون من التعامل بمعرفة أفضل مع الحوادث الراهنة والآتية ، ومن هنا رأينا القرآن الكريم مشحوناً بقصص

--> ( 1 ) « الوشمة » في الأصل بمعنى الخال الذي يوخز بالإبرة ثم يطلي بمادة ملونة تحت الجلد ، كما أطلقت على الأشياء الصغيرة كقطرة ماء المطر أو الحديث القصير ، وقد وردت هنا بالمعنى الأخير .