الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

338

نفحات الولاية

أهل البصرة بعد موقعة الجمل حيث ضمته عليه السلام سبع صفات قبيحة إتصفوا بها . فقد وصفهم في العبارة الأولى والثانية « أرضكم قريبة من الماء ، بعيدة من السماء » . يمكن أن تكون العبارتان إشارة إلى الجوانب المادية في أنّ هذه المنطقة قريبة من ماء البحر والشط وهى بعيدة عن السماء ، أو إشارة إلى الجوانب المعنوية كأن يكون المراد أن أرض قلوبكم ورغم قربها من ماء الحياة بفعل وجود الإمام ، إلّاأنّها بعيدة عن سماء رحمة اللَّه ومغفرته . أو أن تكون هذه العبارة واردة في المسائل المادية والعبارة الأخرى في المسائل المعنوية هناك نقاش وبحث بين الشرّاح في هذا الشأن ، غير أنّ ظاهر العبارة - بالالتفات إلى المعنى الحقيقي للأرض والسماء - فانّ المراد المعنى الأول ، فليس هنالك من خلاف في أنّ أرضهم قريبة من الماء ولها المشاكل التي تنطوي عليها الحياة عند ساحل البحر ، ولا سيما البصرة التي يمر بها ذلك الشط الكبير ويصب في البحر ممّا يجعلها عرضة لظاهرة المد والجزر ؛ أمّا كيفية إبتعادها عن السماء ، فقد ذكر بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ أرباب علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون أن أبعد موضع في الأرض عن السماء « الأبلة » وذلك موافق لقوله عليه السلام - ومعنى البعد عن السماء ها هنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدل النهار والبقاع ، والبلاد تختلف في ذلك . وقد دلت الارصاد والآلات النجومية على أنّ أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الأبلة والابلة هي قصبة البصرة . وهذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام لأنّه أخبر عن أمر لاتعرفه العرب ، لاتهتدي إليه ، وهو مخصوص بالمدققين من الحكماء ، وهذا من أسراره وغرائبه البديعة . ولكن لا يبدو هذا الكلام مقبولا لدى العلماء المعاصرين ، لأن البصرة كسائر الموانئ العالمية المساوية لسطح ماء البحر ، ونعلم أنّ مياه بحيرات العالم متصلة مع بعضها وتقع في مستوى واحد ؛ والحال هنالك عدّة مناطق على سطح الكرة الأرضية وهى أوطئ من سطح البحار . لكن يحتمل ألا تكون المقارنة بالنسبة لجميع المناطق على سطح الكرة الأرضية ، بل مع بعض البلدان والمناطق الإسلامية المتعارفة آنذاك . ثم قال عليه السلام في العبارة الثالثة والرابعة « خفت عقولكم ، وسفهت حلومكم » والدليل الواضح على هذا ما أورده الإمام عليه السلام في الخطب السابقة من انقيادهم السهل واستسلامهم لأهواء