الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

335

نفحات الولاية

الأئمة ، وسعى في قتل الخليفة ، وقد علمت أنّك لن تعجز اللَّه حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم ، وقد جاءني كتابُك ، وفهمت ما فيه ؛ وسيكفينيك اللَّه ؛ وكلّ من أصبح مماثلًا لك في ضلالك وغيّك ، إن شاء اللَّه . وقال أبومحنف : لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوأب ، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة ، نبحتها الكلاب ؛ حتى نفرت صِعاب إبلها ، فقال قائل من أصحابها : ألا ترون ، ما أكثر كلاب الحوأب ، وما أشد نُباحها ! فأمسكت زمام بعيرها ، وقالت : وإنّها لكلاب الحوأب ! ردّونى ردّونى ؛ فإني سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه يقول . . . وذكرت الخبر ، فقال لها قائل : مهلًا يرحمك اللَّه ! فقد جُزْنا ماء الحوأب ؛ فقالت : فهل من شاهد ؟ فلفّقوا لها خمسين أعرابياً ، جعلوا لهم جُعْلا ، فحلفوا لها : إن هذا ليس بماء الحوأب ، فسارت لوجهها . « 1 » والعجيب أن مثل هذه الروايات كانت سببا لتردد عائشة ، بينما لم تكن كل تلك الروايات الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وقد روت أكثرها سببا لترددها وانصرافها . وهذا لعمري من العجائب . كما يفهم من هذه الحكايات أنها سرعان ما كانت تخدع وتغير رأيها . 2 - ذم أهل البصرة ما ورد من ذم للبصرة في الخطبة المذكورة يتعلق بعضه بتأثير المناخ وموقع المدينة وأوضاعها الاجتماعية ( حيث كانت ميناءا وموضعا لإستقطاب أنواع الثقافات والأفكار والأخلاق الملوثة والتي كانت هناك وما زالت في مثيلاتها ) إلا أنّ البعض الآخر يرتبط بروحية وصفات سكنتها ، والذي لا يلزم أن يكون كذلك في كل عصر ومصر ، بل هو إشارة لأولئك الناس في ذلك العصر والزمان والذين كانوا يستسلمون لمحظطات طلحة والزبير القبيحة فينقضوا البيعة ويريقوا تلك الدماء . وعليه فلا منع من أن يسود تلك المنطقة الأخيار في سائر العصور . ولذلك وردت بعض الأخيار التي تقيد مدح هذه المنطقة ، ومن ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام حين إخباره منه . . . فقرّاؤهم أفضل القرّاء وزهّادهم أفضل الزّهاد وعيّادهم

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 225 .