الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

328

نفحات الولاية

المفهوم الذي أوضحه الإمام عليه السلام بقوله : « أيّها الناس انّما يجمع الناس الرضى والسخط وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد منهم فعمهم اللَّه بالعذاب لما عموه بالرضا » « 1 » وقوله عليه السلام : « الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل راض بالاثم ذنبان ؛ ذنب الرضى به وذنب العمل به » . وورد في زيارة الأربعين لجابر بن عبداللَّه الأنصاري أنّه انكب على قبر الحسين عليه السلام وجعل يزوره بهذه العبارت : « أشهد أنّك أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف‌نهيت عن المنكر وجاهدت في اللَّه حق جهاده حتى أتاك اليقين ، والذي بعث محمداً بالحق لقد شاركناكم فيما دختلم فيه » فلما سمعه صاحبه عطية تعجب من قوله قائلا : كيف ذاك ولم نهيط وادياً وقد قاتل القوم دون الحسين عليه السلام فطاحت رؤوسهم وترملت نسائهم ويتمت أولادهم فقال جابر : سمعت حبيبي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : من أحبّ قوماً حشر معهم ومن أحبً عمل قوم اشرك في عملهم ، أمّا والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة لنيتنا نية الحسين عليه السلام وأصحابه » « 2 » القرآن من جانبه خاطب كراراً يهود المدينة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ووبخهم على الأعمال التي أتى به أصحابهم على عهد نبي اللَّه موسى عليه السلام ؛ بينما كانت هنالك عدّة قرون بين القومين ، فجعلهم القرآن كأولئك لانتهاجهم مسيرتهم ورضاهم باعمالهم ، ومن ذلك قوله « قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » « 3 » . وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام في ذيل هذه الآية أن اللَّه إعتبر هؤلاء - ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله من اليهود - قتلة الأنبياء السابقين رغم عدم ارتكابهم لجريمة القتل ولكن حيث كانوا على عقيدة أولئك القتلة وراضين بفعلهم فقد عدهم قتلة » « 4 » . وقد روى المحدث الكبير عدّة روايات في المجلد الحادي عشر من وسائل الشيعة بهذا المضمون في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . « 5 » ومن شأن هذا اللون من التفكير أن يفتح أمامنا آفاقا واسعه ويجعلنا نقف على مضمون الآيات والروايات ويساعدنا في سلوك طريق الحق .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 201 . ( 2 ) بحارالانوار 65 / 131 . ( 3 ) سورة آل عمران / 183 . ( 4 ) بحارالانوار 97 / 94 . ( 5 ) وسائل الشيعة / 11 ، كتاب الأمر بالمعروف ، الباب 5 .