الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
321
نفحات الولاية
العواصف » كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله انّه قال : « المؤمن أشد في دينه من الجبال الراسية وذلك انّ الجبل قد ينحت منه والمؤمن لا يقدر أحد على أن ينحت من دينه شيئا » « 1 » ، ثم تناول عليه السلام ما من شأنه أن يؤثر في مسيرة المعركة فقال : « عض على ناجذك » . فالناجذ قد يعنى أقصى الضرس ، كما فسّر بسن العقل ، وقيل بل جميع الإنسان . وقيل أنّ العض على النواجذ يتضمن فائدتين : الأولى أنّه يزيل الخوف والقلق والاضطراب ومن هنا يعض الإنسان على أسنانه في مواطن الخوف ليهدأ وتسكن فورته ، والثانية أنّهم ذكروا أنّ العاض على نواجذه ينبو السيف عن دماغه ، لأنّ عظام الرأس تشتد وتصلب ؛ وقد جاء في كلامه عليه السلام هذا مشروحاً في موضع آخر وهو قوله عليه السلام : « وعضوا على النواجذ ، فإنّه أنبى للصوارم عن الهام » « 2 » . أمّا في الجملة الثالثة فقد قال عليه السلام : « أعر اللَّه جمجمتك » تعنى إستعد للتضحية والفداء والشهادة في سبيل اللَّه فان هذا الاستعداد أساس الشجاعة والاستبسال . هذا وقد ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ في العبارة إشعار له أنّه لا يقتل في تلك الحرب ، لأنّ العارية مردودة ، ولو قال له : بع اللَّه جمجمتك ، لكان ذلك إشعار له بالشهادة . ثم قال عليه السلام في الجملة الرابعة : « تد في الأرض قدمك » . في إشارة واضحة إلى الثبات في المعركة ورباطة الجأش في مقابل العدو وعدم التفكير قط بالانسحاب أو الفرار من الميدان ؛ الأمر الذي أوصى به القرآن الكريم المؤمنين من قبل : « يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا » « 3 » . ولعل الفارق بين هذه العبارة والعبارة الأولى ، هو أنّ الجملة الأولى تحدثت عن عدم التزلزل في الفكر والمعنويات بينما أشارت العبارة الأخيرة إلى عدم التزلزل الظاهري والبدني وعدم الانسحاب والتراجع وفي الجملة الخامسة قال عليه السلام : « ارم ببصرك أقصى القوم » فمثل هذه النظرة تجعله يحيط بالميدان والعدو والسيطرة على حركة الجنود بحيث يتعرف على نقاط الضعف والقوة فيصيب في الدفاع والهجوم والكر والفر . ثم قال عليه السلام : « وغض بصرك » . ليس هنالك من تناقض بين قوله « ارم ببصرك » قوله « غض بصرك » وذلك لأنه في الأولى أمره أن يفتح عينه ويرفع طرفه ، ويحدق إلى أقاصي القوم
--> ( 1 ) سفينة البحار ، مادة أمن . ( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 124 . ( 3 ) سورة الأنفال / 45 .