الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

313

نفحات الولاية

نموذج ذلك في معركة بدر حين ذهل أبو سفيان للنفر القليل الذي كان مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فبعث عمير ليرى هل هناك من جند خلف الميدان ، فعاد إلى أبيسفيان وقال له : « مالهم من كمين ولامدد ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت النافع امّا ترونهم خرساً لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ، مالهم ملجأ إلّاسيوفهم ، ما أراهم يولون حتى يقتلوا ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فار تأوا رأيكم . فقال له أبو جهل : كذبت وجبنت . » « 1 » بالتالي أتبتت موقعة بدر أنّ الحق ما ذهب إليه عمير لا ما قاله أبو جهل . وبالطبع فليس هناك من منافاة بين هذا الكلام والاستفادة من الأساليب النفسية في ميدان الحرب والرجز وممارسة الحماس وأمطار العدو بوابل التبليغات وزرع الرعب في صفوفه . فالمشكلة إنّما تكمن في خلاصة كل شيء في الكلام والتهديد والوعيد . فالعمل هو الأساس والمحور والكلام ترجمة لذلك العمل . فنموذج الفريق الأول طلحة والزبير ورهطهما ، ونموذج الفريق الثاني علي عليه السلام واتباعه . فقد وردت عبارات واضحة للإمام عليه السلام - في الخطبة 124 من نهج‌البلاغة - بهذا الشأن ، ففي الوقت الذي يحث اتباعه وجنده على الثبات في الميدان والشدة في الضرب يوصيهم قائلًا : « اميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل » . 2 - الفارق بين الدعاية والاعلام الفعال لعل الفارق بين هذين الأمرين صعب التمييز على البعض ، حيث ورد النهي عن القول بلا عمل واتخاذ الصمت والهدوء كمفهوم صحيح من جانب : ومن جانب آخر فانّ الأحاديث التي تستبطن الأساليب التبليغية التي تشد قوى الحق من الناحية النفسية وتضعف معنويات العدو قد عدت من الوسائل الحربية اللازمة ، إلى جانب الحث على الرجز والحماس في ميدان المعركة والذي تجسد في غزوات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومعارك أمير المؤمنين علي عليه السلام وسائر الأئمّة المعصومين عليه السلام كالرجز الذي شهدته كربلاء ، فكيف يمكن التوفيق بين هذين الأمرين ؟ الواقع هنالك فارق واضح بين هذين الأمرين . فالنهي إنّما جاء بشأن الكلام الفارغ الذي

--> ( 1 ) بحارالأنوار 19 / 224 .