الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
308
نفحات الولاية
الشرح والتفسير عذر أقبح من ذنب كما أوردنا آنفا فانّ الإمام عليه السلام ألقى هذه الخطبة كرد على الزبير الذي حاول تبرير نكثه للبيعة بأنّه بايع مكرها بيده دون قلبه ؛ لأن معاوية بعث له بكتاب قال فيه : أمّا بعد ، فانّي قد بايعت لك أهل الشام ، فأجابوا واستوسقوا ، كما يستوسق الجلب فدونك الكوفة والبصرة ، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فإنه لا شئ بعد هذين المصرين . « 1 » فما كان من طلحة والزبير الذين كانا يطمعان بالمناصب إلّاأنّ نكثا بيعتهما للإمام علي عليه السلام . أمّا الإمام عليه السلام فقد رد على زعم الزبير ردّاً حقوقياً يحظى بكافة التبعات المتعارفة اليوم في القوانين القضائية ، فقد قال عليه السلام : « يزعم أنّه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه ، فقد أقر بالبيعة ، وادعى الوليجة » « 2 » فالواقع أنّ كلامه مركب من إقرار وادعاء ، فاقراره مسموع ومقبول ، أمّا إدعائه فيحتاج إلى إقامة دليل . ولذلك طالبه الإمام عليه السلام بإقامة الدليل ( ليثبت أن بيعته قد حصلت من خلال الاكراه ) وإلّا وجب عليه الالتزام بلوازم البيعة : « فليأت عليها بأمر يعرف ، وإلّا فليدخل فيما خرج منه » لقد رأى أغلب الناس الزبير وطلحة قد دخلا على الإمام عليه السلام وبايعاه طائعين ؛ فقد كانا من أوائل من بايعه في المسجد ، فالبيعة ملزمة ، ومن ادعى خلاف ذلك عليه أن يأتي بالدليل ، أضف إلى ذلك فالكل يعلم بعدم وجود الاكراه والإجبار في بيعة علي عليه السلام ، فقد كان هنالك من لم يبايع ، ولم يضطرهم الإمام عليه السلام إلى البيعة ، وعليه فليس هنالك من مبرر لنكث البيعة . وكما ذكرنا سابقاً فانّ هذا من الأصول الأساسية في كافة المحافل الحقوقية والقضائية ، في أنّ من أبرم عقداً راغباً بالظاهر فقد وجب عليه الالتزام به ولا يقبل منه ادعاء الاكراهالاجبار وعدم تأييد القلب لما فعله باليد ، وإلّا لأمكن لكل واحد أن يقوض ما أبرمه بهذه الذريعة . فالمشتري والبائع والزوج والواقف و . . . إذا أبرم عقدا ولم يرى فيه من مصلحة لاحقا أمكنه أن يدعي بأنّه أبرمه لساناً ولم يكن قلباً موافقاً عليه . وإذا كان الأمر
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 / 231 . ( 2 ) « وليجة » من مادة « ولوج » بمعنى الدخول ، كما تعني الدخول الخفي ويقال وليجة لما يضمر في القلب ويكتم ، وقد جاءت هنا بمعنى الأمر الخفي .