الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
296
نفحات الولاية
3 - لم السكوت ؟ قال الإمام عليه السلام : « بل انطويت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة » . ومن الواضح أنّ الآبار كلما كانت أعمق كان اضطراب الحبال فيها أكثر . ولكن ما هو المراد بهذه الأسرار والعلم الذي إنطوى عليه الإمام عليه السلام ؟ يبدو أنّ هنالك احتمالات كثيرة أوردها شرّاح نهج البلاغة بهذا الشأن . فمنهم من فسّره بوصية النبي صلى الله عليه وآله له بالسكوت وعدم النهوض بالأمر والاشتباك مع الجماعة . ومنهم من فسّره بعلمه عليه السلام بعواقب الأمور ومصالح ومفاسد المجتمع الإسلامي والذي دعاه لاتخاذ موقف السكوت . ومنهم من فسّره بعلمه عليه السلام بعالم الآخرة ؛ أي أني لأعلم بمسائل الآخرة بما لو بحت لكم به لما وسعكم الاستقرار ولعشتم الاضطراب . وهناك من فسّره بالقضاء والقدر الذي قدر لهذه الامّة . ولكن لا يبدو أي من هذه التفاسير منسجم ومضامين الخطبة وما ورد قبلها وبعدها من عبارات ، ونرى الصحيح بأن تفسر هذه العبارة بالأحداث والتغييرات التي وقعت إبان الصحابة وأدعياء الإسلام بعد وفاة رسولاللَّه صلى الله عليه وآله وأولئك الذين كانت تراهم الامّة على الحق وهم باطل وضلال ، وأولئك الذين اندفعوا بالأمس خلف رسولاللَّه صلى الله عليه وآله وشهروا سيوفهم بوجه الكفر والشرك بينما تخندقوا اليوم في صفوف المنافقين وقد باعوا دينهم بدنياهم ولو عرفهم الناس لتعجبوا وذهلوا . « بل اندمجت على مكنون علم لوبحت به لاضطريتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة » . فمن يصدق أنّ طلحة والزبير الذين قاتلا في ركاب رسولاللَّه صلى الله عليه وآله سيشعلان يوما نار حرب الجمل ؟ ومن يصدق أن أحد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وأم المؤمنين - عائشة - ستكون يوماً وسيلة بيد المنافقين فتقود معركة يروح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف شخص ؟ وعدد لا يحصى من قبيل هذه الأسئلة . فإذا كان الأمر كذلك فكيف استند إلى مثل هؤلاء الأفراد وأنهض بالأمر .