الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
290
نفحات الولاية
ضعف هذا التفسير يبدو واضحاً من خلال كلام الإمام عليه السلام الذي قرن ذلك بجني الثمار غير الناضجة . وهنا لابدّ من القول بانّ هذه العبارات قد تناولت الأصول الأساسية والدروس القيمة المعتمدة في تشكيل الحكومات الإلهية ؛ الأمر الذي يدعو دعاة الحق وعشاق العدالة لعدم الانفعال بالعواطف والأحاسيس العابرة والاقتصار على الدراسات المحدودة من أجل ممارسة أنشطتهم وعليهم أن يتربصوا بكل أناة وتحسب للوقوف على توقر الشروط وتأهب القوى وإن احتاج هذا الأمر لمدّة من الزمان ، على غرار المزارعين الذين لا يقصدون قطف الثمار غير الناضجة رغم حاجته القصوى لهذه الثمار من أجل توفير قوته أو تسويقها وبيعها بغية تغطية حاجاته الأساسية ، أضف إلى ذلك فانّ المزارع الماهر لا يغرس بذوره في أرض ليست خصبة أبدا ، بل يتأنى قبل ذلك بحرث الأرض وسقيها بالماء ثم ينثر بذره . سكوت الإمام عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله يتساءل الكثيرون لماذا لم ينهض الإمام علي عليه السلام بالأمر بدلًا من السكوت رغم كونه الأجدر والأحق بخلافة رسولاللَّه صلى الله عليه وآله إلى جانب تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله على استخلافه بما يثبت أنّ الخلافة من حقوقه المسلمة بل من حقوق الامّة الإسلامية ؟ ويبدو أنّ الإجابة على هذا السؤال قد وردت في العبارات القصيرة البعيدة المعنى في هذه الخطبة ، حيث ذكر بعض الأسباب التي دعته لعدم القيام والنهوض بالأمر . أولها عدم إنطواء الأفراد - كأبي سفيان - على حسن النية في اقتراح النهوض بالأمر والتصدي للخلافة ، أو أنّهم - كالعباس - كانوا ممن دفعوا من أصحاب الاغراض السيئة ؛ الأمر الذي جعل الإمام عليه السلام يتعامل مع هذه الاقتراحات كفتن وبلا بل تستهدف القضاء على المسيرة ولم يكن معه الا القليل ، وهذا ما صرّح به الإمام عليه السلام : « فنظرت فإذا ليس لي معين إلّاأهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى . وشربت على الشجا ، وصبرت على أخذ الكظم ، وعلى أمر أمرّ من طعم العلقم » « 1 » وناهيك عن كل ذلك فانّ الخلافة والحكومة لم تكن هدفا بالنسبة
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 26 .