الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
272
نفحات الولاية
وانبثاق الدعوة الإسلامية ليهتدي الناس إلى الصراط المستقيم ويتجهون نحو الهدف المنشود . ويشبه في العبارة الثانية حركة الرقي والتكامل والازدهار بالجمل ذي السنام ( حيث اقتبست المفردة تسنتم من مادة سنام أعلى قمة في الجمل ) فقال عليه السلام لقد بلغتم هذه الذروة وقطعتم مسيرة الرقي والتكامل في ظل الإسلام ؛ الحقيقة التي إذعن لها جميع مؤرخي الشرق والغرب في كتبهم التي تعرضوا فيها للمدنية الإسلامية وحضارتها . ثم شبه في العبارة الثالثة أوضاع المجتمع الجاهلي بليالي الشهر الظلماء والمحاق ( حيث تعني السرار الليالي التي لايبزغ فيها القمر أبداً ) فقال عليه السلام : « وبنا أفجرتم عن السرار » . والواقع هو أنّ هذه التعبيرات إنّما تنبع من القرآن الذي شبه الإسلام والإيمان والوحي بالنور ، فقال : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ » « 1 » وقال في موضع آخر : « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ بِإِذنِهِ » « 2 » وقال : « وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ » « 3 » - ثم يذم عليه السلام الأفراد الذين صخت آذانهم عن سماع الحق بينما يثني على غيرهم من ذوي الاسماع فقال عليه السلام : « وقر سمع لم يفقه الواعية » . تستعمل مفردة « الوقر » بشأن الصمم كما تستعمل في ثقل السمع ، والمراد بالواعية الأصوات المرتفعة ، وهى إشارة لآيات القرآن التي تقرع الاسماع بشأن المسائل المهمّة العقائدية والعملية والأخلاقية وكذلك السنة النبوية الشريفة . أمّا التعبير « لم يفقه » بدلًا من « لم يسمع » تفيد عدم جدوى السمع مالم يصحبه الإدراك والفهم . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه فقال : « وكيف يراعى النباة « 4 » من أصمته الصيحة » « 5 » . والمراد كيف يصغي لي ويستمع قولي من لايراعي أو امر اللَّه ونبيّه صلى الله عليه وآله فقد شبه
--> ( 1 ) سورة البقرة / 257 . ( 2 ) سورة المائدة / 15 - 16 . ( 3 ) سورة الزخرف / 44 . ( 4 ) « النبأة » من مادة « نبأ » بمعنى القدوم من مكان إلى آخر ومن هنا اطلق النبأ على الخبر الذي ينتقل من مكان إلى آخر والنبأة بمعنى الصوت الخفي لأن الصوت ينتقل من مكان إلى آخر ( مقاييس اللغة ) . ( 5 ) قال بعضي شرّاح نهج البلاغة أن قوله « أصمته الصيحة » ليس معناه أن الصيحة كانت علة لصممه ، بل معناه أنّهم كانوا صمما عن سماع صوت الوحي ، كقوله سبحانه « أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون » ( سورة يونس / 42 ) .