الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

249

نفحات الولاية

القسم الرابع « فَما راعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِىَء الْحَسَنانِ ، وَشُقَّ عِطْفايَ ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى ، وَقَسَطَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : « تِلْك الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » ، بَلَى ! وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوها وَوَعَوْها ، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيا فِي أَعْيُنِهِمْ وَراقَهُمْ زِبْرِجُها » . الشرح والتفسير أشار الإمام عليه السلام في هذه الخطبة إلى عصر خلافته ولا سيما أبان البيعة التي شهدت حضوراً خارقاً للُامّة في مبا يعته والوقوف إلى جانبه ، البيعة الفريدة التي لم يعرف التأريخ الإسلامي لها من نظير ، غير أنّ عدداً كثيراً لما جوبه بعدالة الإمام عليه السلام وتنمره في الحق قد إنفرجوا عنه وهبوا لمخالفته وبالتالي أججوا نيران الحرب « الجمل وصفين والنهروان » وشقوا صفوف المسلمين وحالوا دون تتويج جهود الإمام عليه السلام ومساعيه في النهوض بالمجتمع الإسلامي والأخذ بيده إلى السمو والتكامل . فقد وصف عليه السلام بادىء ذي بدء كيفية إقبال الناس عليه وهجومهم من أجل البيعة قائلًا : « فما راعني « 1 » إلّاوالناس كعرف « 2 » الضبع « 3 » إليّ ينثالون « 4 » عليّ من كل جانب » فالتعبير بعرف

--> ( 1 ) « راعني » من مادة « روح » على وزن نوع بمعنى الخوف والخشية والفلق كما وردت بمعنى الدهشة والذهول . ( 2 ) « عرف » بمعنى الكثرة والازدهام ومن هنا يطلق على شعر عنق الضبع . ( 3 ) « ضبع » له ثلاثة معان ، الحيوان المعروف وأحدا أعضاء الانسان ( العضد ) والثالث أنه أحد صفات‌الناقه . وقد تكون كناية عن سنين القحط التي تهجم على الانسان . ( 4 ) « ينثالون » من مادة « ثول » على وزن قول بمعنى ازدحام زنابير العسل حين تجتمع وتروح وتجيىء ثم أطلقت على كل ازدحام يتخلله ذهاب واياب ( مقاييس اللغة والصحاح ولسان العرب ) .