الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

238

نفحات الولاية

وقوله عليه السلام : « مع هن وهن » « 1 » ، استنادا إلى أنّ المفردة « هن » كناية عن أعمال قبيحة يكره ذكرها ، فالعبارة يمكن أن تكون إشارة إلى الاغراض الأخرى التي كان يطمع بها عبد الرحمن بن عوف من خلال تصويته لصالح عثمان من قبيل مد إليه إلى بيت مال المسلمين أو التسلط على الناس أو الاستيلاء على الخلافة بعد عثمان أو جميع هذه الأمور . فالذي نستفيده من هذا الكلام أنّ الشورى قد عقدت في أجواء متوترة ، والشئ المغيب فيها إنّما كان المصالح الإسلامية ، وعليه فمن الطبيعي الأتؤدي لضمان مصالح المسلمين ، وقد أثبتت الحوادث التي وقعت على عهد عثمان مدى الخسائر الفادحة التي تكبدها المسلمون . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى النتيجة النهائية للشورى فقال : « إلى أن قام ثالث القوم نافجا « 2 » حضنيه « 3 » بين نثيله « 4 » ومعتلفه « 5 » » . ولم يقتصر هذا الأمر على عثمان بل سار معه في هذا النهج قرابته وبطانته « وقام معه بنو أبيه يخضمون « 6 » مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع » . أمّا التعبير بنبتة الربيع للإشارة إلى أنّها نبتة سائغة وطعمة سهلة للحيوان فيتنا ولها بكل شره ووله . والعبارة « يخضمون مال الله . . . » - وبالالتفات إلى المعنى اللغوي لخضم - تفيد أنّ بني أمية قد اقتحمت الميدان بكل ثقلها لتنهب بيت المال فتبتلع منه ما شاءت . وقال ابن أبي الحديد لقد سلط الخليفة الثالث - عثمان - بني أمية على رقاب الناس وأغدق عليهم الأموال فقد أعطى عبد الله بن خالد أربعمأة ألف درهم ، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب ، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال ، وأعطى الحارث بن الحكم - زوج بنت ، عائشة - مائة ألف من بيت المال ، وأعطى طلحه ثلاثمأة واثنين وعشرين ألف ، والزبير خمسمأة وثمانية وتسعين دينارا ، حتى بلغ ما أغدقه من

--> ( 1 ) صرّح علماء اللغة بان « هن » تعنى فلان وتقال حين يريد الإنسان الإشارة من بعيد إلى شيء لقباحته أو لأسباب أخرى ، وعادة ما تستعمل هذه المفردة في الصفات السيئة والقبيحة ولا تستعمل في الأمور الحسنة . ( 2 ) « نافجا » من مادة « نفج » على وزن رفع بمعنى رافعا . ( 3 ) « الحضن » ما بين الإبط والكشح ونافجاً حضنيه تقال للمتكبر ولمن إمتلأ بطنه طعاماً . ( 4 ) « نثيل » من مادة « نثل » على وزن نسل بمعنى غائط الإنسان وروث الحيوان . ( 5 ) « معتلف » من مادة « علف » بمعنى موضع العلف ، وقد أراد بالعبارة الشخص الذي همه جمع الأموال وملىء البطن وافراغها . ( 6 ) « الخضم » أكل الشيء الرطب بتمام الفم وهى تقابل القضم التي تعني الأكل بأطراف الأسنان ، وقال البعض الخضم بمعنى أكل العلف الطري والقضم بمعنى أكل العلف الجاف .