الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

236

نفحات الولاية

الثاني : أنّه أراد أن يجعلني ظاهرياً في مصاف هؤلاء الخمسة ، والحال كان يعلم باطنياً عدم إمكانية مقارنتي بأي منهم « 1 » . والعبارة تشير إلى الزمان الذي جرح فيه عمر جرحاً بليغاً من قبل ذلك الرجل الذي يدعى فيروز والمكنى بأبي لؤلؤة بعد أن رأى نفسه على فراش الموت . فقد حضره جمع من الصحابة وأشاروا عليه باستخلاف من يرضاه ، فما كان منه إلّاأن خطب خطبة - سنشير إلى مضامينها لاحقاً - واقترح الشورى وهم : علي عليه السلام وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ، على أن يجتمعوا لثلاثة أيام ويختاروا من بينهم الخليفة ، فاجتمعوا لتتمخض نتيجة الاجتماع عن إختيار عثمان . فقد أشار الإمام عليه السلام إلى هذه الشورى قائلًا : « فيالله وللشورى » « 2 » ، ثم يتطرق عليه السلام إلى أولى نقاط ضعف هذه الشورى وهى أنّه متى كان هناك من شك وترديد في أرجحيته على الخليفة الأول فضلا عن اقترانه بهذه النظائر « متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر » . فالعبارة تكشف عن قمة أسى الإمام عليه السلام على هضم الحقوق الذي تعرض له ، ويشير إلى حقيقة وهى أنّهم ينبغي أن يختاروني لو أخذوا بنظر الاعتبار استحقاق الخلافة والجدارة والأحقية بها . غير أنّ المؤسف له أنّه كانت هناك أهداف أخرى أدت إلى جعل من كان بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وباب مدينة علمه والعالم بالكتاب والسنة والعارف بأسرار المسائل الإسلامية وبطل التوحيد الذي تربى في حجر النبي صلى الله عليه وآله في مصاف عبد الرحمن بن عوف وسعد بن وقاص وأمثالهما . ثم أضاف عليه السلام : « لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا » « 3 » قالواقع هذه كناية بشأن

--> ( 1 ) ورد في مقاييس اللغة أن « الزعم » عبارة عن الكلام الذي لا واقعية له وصاحبه ليس متأكداً منه . ( 2 ) اللام في لفظ الجلالة مفتوحة للاستغاثة واللام في الشورى مكسورة وللمستغاث منه . ( 3 ) « أسففت » من مادة « إسفاف » بمعنى إقتراب شيء من آخر ويستعمل هذا اللفظ في الطائر إذا دنا من الأرض ، كما يستعمل في نسج الحصير لان خيوطه تقترب من بعضها البعض الآخر ، كما وردت بمعنى شدة النظر ( راجع مقاييس اللغة ولسان العرب ) .