الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

218

نفحات الولاية

الدنيا لتتفتت وحدة المسلمين ويتصدع كيانهم ليتمهد أمامهم السبيل من الانقضاض على الدين وأهله وبالتالي كسر شوكته والقضاء عليه ؛ فلو نهض الإمام عليه السلام بالأمر في ظل هذه الظروف من أجل نيل حقّه أو بعبارة أخرى بغية إعادة المسلمين إلى المسار الإسلامي الصحيح لعصر النبي صلى الله عليه وآله وبالالتفات إلى القرارات التي اتخذت سلفا باقصاء الإمام عليه السلام عن الخلافة فانّ قتالًا سينشب لتعم الفوضى والاضطراب في صفوف المجتمع الإسلامي بما يمهدّ السبيل أمام المنافقين والمتربصين لنيل أطماعهم ومآربهم ، والشاهد الحي على ذلك تمرد المرتدين عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله الذين هبوا للوقوف بوجه الحكومة الإسلامية ، ولم يكتب لهم النجاح بفعل المقاومة التي أبدتها الامّة تجاههم . فقد صرّحت بعض السير التاريخية بهذا المجال : « لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية » « 1 » . هذا كله من جانب ، ومن جانب آخر فان نهوض الإمام عليه السلام بالأمر قد لا تبدو فيه بارقة أمل بالنصر بفعل غياب العدّة والعدد من أنصار الحق ، ولعل قيام الإمام عليه السلام بالأمر لا يفسر من أغلب الجهال كانتصار للدين والعقيدة بل يعزوه إلى قضايا شخصية محضة . غير أنّ الخسائر التي تكبدها المسلمون على مرور الزمان إثر انحراف مسار الخلافة عن محورها قد صورها الإمام عليه السلام بمثابة القذى في العين والشجا في الحلق . وهذا درس كبير لكافة المسلمين على مدى التاريخ وهو أنّ إحقاق الحق إذا استلزم توجيه ضربة إلى دعائم الدين وجب التحفظ عنه وعدم المبادرة إليه ، لان حفظ الدين مقدم عى كل ما سواه ، وليس هنالك من سبيل في مثل هذه الحالة سوى التحلي بالصبر والتحمل . وقد ورد شبيه هذا المعنى في الخطبة رقم 60 حيث قال عليه السلام : « فنظرت فإذا ليس لي معين إلّاأهل بيتي . . . وأغضيت على القذى وشربت على الشجى » .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 4 / 316 .