الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

191

نفحات الولاية

باحترام الآخرين وتقديرهم بعد أن قلبت الموازين وضاعت القيم . وأخيراً فهناك احتمال آخر أن يكون المراد بالعلماء هم ذلك النفر القليل من الموحدين قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله من قبيل عبد المطلب وأبو طالب وقس بن ساعدّة ولبيد بن ربيعة وأمثالهم . صورة الحياة الميتة في العصر الجاهلي لقد قدم الإمام عليه السلام بهذه العبارات القصيرة والعميقة المضامين صورة دقيقة حية عن الأوضاع التي عاشها العرب في العصر الجاهلي بحيث يجد كل من تأملها نفسه في خضم ذلك العصر ليرى بأُم عينه كل تلك الفوضى والقبائح والرذائل . فقد عكس الإمام عليه السلام عظمة مقام النبي صلى الله عليه وآله وسمو منزلته من جانب حيث تتضح شدة النور وعمق خطفه للابصار كلما كان الظلام دامسا والعتمة شديدة ، الأمر الذي يكشف عن عظمة خدمات نبي الإسلام صلى الله عليه وآله ونجاعة دينه في خلق المجتمع . ولا غرو فان استبدال ذلك المجتمع - بالمواصفات المذكورة - إلى ذلك المجتمع الذي التف حول الرسول لم يكن يبدو أمراً ممكناً ، وليس ذلك سوى للاعجاز والوحي وعظمة التعاليم الإسلامية التي تمكتت من انتشال ذلك المجتمع وطبعه بهذه الصفات العالية . من جانب آخر فهي إشارة إلى تجديد الأفكار والأداب والسنن الجاهلية في عصر النبي صلى الله عليه وآله والتي ظهرت في عصر الخلافة الراشدة إثر انحراف الامّة عن تعاليم النبي صلى الله عليه وآله . فالإمام عليه السلام يحذر الامّة في زمانه من الأخطار التي تتهددها من جراء إحياء سنن الجاهلية والعادات والتقاليد البالية التي تفتك بالمجتمع . الجدير بالذكرهنا هو أنّ الإمام عليه السلام قد أورد هذه الخطبة بعد انصرافه من صفين حيث أراد الفات نظر أصحابه إلى العناصر التي أدت إلى تلك النتيجة بأسلوب بليغ يعرف ب « إياك أعني واسمعي بإجارة » . لاشك أنّ عبارات الإمام عليه السلام تستبطن الدروس والعبر التي ينبغي أن نحتذيها نحن المسلمون في العصر الحاضر الذي يتصف بالمدينة والتطور والتقدم ، فهي تحذير جدي لنا ؛ فعباراته تنطبق تماما على الأوضاع التي يشهدها عصرنا الراهن حيث غاصت الامّة اليوم في هالة من الفتن وتزعزعت عرى الإيمان واليقين واندرست سبل معرفة الحق بفعل تفاقم سعة