الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
186
نفحات الولاية
ومن البديهي إلّاتتضح عظمة رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسمو الخدمات التي أسداها إلى البشرية وحلاوة الإيمان التي حملها الدين الحنيف ما لم تكن هناك صورة واضحة عن الأوضاع السائدة لدى الأقوام السابقة التي سبقت عصر الرسالة وانبثاق الدعوة الإسلامية . فمن شأن هذه المقارنة أن تميز عظمة مشاريع الأنبياء وبرامج الأولياء والعباقرة على مدى التاريخ . فقد أشار عليه السلام إلى الفتن التي كانت تعصف بالامّة آنذاك بحيث تصدعت عرى الدين وتزعزعت أعمدة الإيمان وتلوثت الفطرة وتغيرت القيم وسادت الفرقة بين الناس ، فغدوا حيارى قد ضلوا المخرج « والناس في فتن إنجذم « 1 » فيها حبل الدين وتزعزعت « 2 » سواري « 3 » اليقين واختلف النجر « 4 » وتشتت الأمر وضاق المخرج وعمي المصدر » . فقد تقطعت حبائل الدين وغيبت المعارف الدينية الحقة إثر فتن الشياطين ووساوس عبدة الأهواء من جانب ، ومن جانب آخر فان الفوضى عمت الامّة وتصاعدت بين أوساطها حدة الفرقة والاختلاف ؛ والأنكى من ذلك وفي ظل هذه الظروف لم يكن هناك من سبيل للخروج من المأزق ولا من كهف يؤى إليه ؛ الأمر الذي اضطر الناس للبقاء على الانحراف والدنس الذي ساد ذلك المحيط والعوم في مستنقعه العفن . والعبارة « حبل الدين » - التي وردت بصيغة المفرد - إشارة إلى وحدة الدين الحق ووحدة المصدر الذي تستقى منه كافة أصول وتعاليم الأنبياء وإن شهدت هذه الأصول والتعاليم بعض الفوارق التي تفرزها طبيعة تقادم الزمان ، وهذا ما يجوزه القرآن الكريم على لسان المؤمنين الصادقين بقوله : « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » « 5 » وقوله عليه السلام « اختلف النجر » لا يشير إلى الاختلافات التي شهدها العصر
--> ( 1 ) « إنجذم » من مادة « الانجذام » بمعنى انقطع وإنفصل ومن هنا يطلق اسم الجذام على ذلك المرض الذي يصيب الجسم فيؤدي إلى انفصال الأعضاء . ( 2 ) « تزعزعت » من مادة « زعزع » بمعنى تحركت واضطربت ، فيقال على سبيل المثال : زعزع الريح الشجرة . ( 3 ) « سواري » جمع سارية العمود والدعامة . ( 4 ) « نجر » على وزن فجر يعني الأصل ، كما يعني الاصلاح والشكل والهيئة ومنه اطلق اسم النجار . وقد وردت هذه المفردة في العبارة بالمعنى الأول . ( 5 ) سورة البقرة / 285