الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
152
نفحات الولاية
العرب في الجاهلية : فأمّا الامّة التي بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله فيها فهم العرب ، وكانوا أصنافاً شتى ، فمنهم معطلة ومنهم غير معطلة ، فأمّا المعطلة منهم ، فبعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة ، وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم : « ما هِيَ إِلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلّا الدَّهْرُ » « 1 » فجعلوا الجامع لهم الطبع ، والمهلك لهم الدهر . وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث . وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : « قالَ مَنْ يُحْيِ العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ » « 2 » . ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه ، وهم الذين قالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلى اللَّهِ زُلْفى » « 3 » . وكان في العرب مشبهة ومجسمة ، منهم أمية بن الصلت ، وهو القائل : من فوق عرش جالس قد حط رجليه إلى كرسيه منصوب وذهب بعض متكلمي المجسمة إلى أنّ البارئ تعالى مركب من أعضاء على حروف المعجم . وقال بعضهم : إنّه ينزل على حمار في صورة غلام أمرد ، في رجليه نعلان من ذهب ، وعلى وجهه فراش من ذهب يتطاير . وقال بعضهم : إنّه في صورة غلام أمرد صبيح الوجه ، عليه كساء أسود ، ملتحف به . « 4 » وأمّا الذين ليسوا بمعطلة من العرب ؛ فالقليل منهم ، وهم المتألهون أصحاب الورع والتحرج عن القبائح كعبد اللَّه ، وعبد المطلب وابنه أبي طالب ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدّة الابادي ، وعامر بن الظرب العدواني وجماعة غير هؤلاء . « 5 » أمّا البعض الآخر من شرّاح نهج البلاغة فقد صنفوا علماء العرب إلى عدّة طوائف منهم العارفين بالأنساب ، ومفسري الأحلام ومتخصصين في علم الأنواء ( نوع من التنجيم المشوب بالخرافات ) والكهنة الذين يوحون إلى الناس بأنّهم يخبرون عن مغيبات المستقبل . أمّا من غير العرب كان البراهمة الذين عاشوا في الهند ينكرون كافة الأديان ولا يؤمنون سوى بالأحكام العقلية . وطائفة أخرى من عبدة الكواكب والشمس والقمر التي تمثل أنواعاً من الوثنية « 6 » .
--> ( 1 ) سورة الجاثية / 24 . ( 2 ) سورة يس / 78 . ( 3 ) سورة الزمر / 3 . ( 4 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 227 . ( 5 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 117 . ( 6 ) شرح نهجالبلاغة لابن ميثم 1 / 205 .