الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

144

نفحات الولاية

بالنبي الذي يأتي من بعده وبهذا يعرف النبي من خلال البشارة به . « 1 » ثم يشير عليه السلام إلى ثبوت هذه السنة قائلًا : « على ذلك نسلت « 2 » القرون ومضت الدهور وسلفت الآباء وخلقت الأبناء » . تأمّلات 1 - الأنبياء بمثابة المزارعين ما تفيده عبارة أمير المؤمنين عليه السلام أنّ القدرة الإلهية المطلقة قد أودعت الذات الإنسانية قابلية كافة أسباب الخير والصلاح والفلاح ، وقد نشرت كافة البذور والرياحين العطرة ساحة قلب الإنسانية الخصبة . والأنبياء من جانبهم يقومون بري هذه البذور لتنبت أشجاراً محملة بالثمار والفاكهة فيستثيروا هذه الكنوز الكامنة في النفس البشرية « ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته . . . ويثيروا لهم دفائن العقول » واستناداً لهذا فان الأنبياء لا يمنحون الإنسان شيئاً خارجاً عن وجوده ، بل ينمون ما لديه ويظهروا له مكنونه ، حتى ذهب البعض إلى أنّ التعاليم والمفاهيم التي تلقى على الإنسان إنّما تمثل تذكيراً له ، فالعلوم والمعارف قد أودعت النفس البشرية وما وظيفة المعلمين - سواء الأنبياء أو امتداداتهم - سوى إثارة هذه المعارف من خلال تعاليمهم ، وكأنّ هذه المعارف مصادر مياه جوفية تشق طريقها إلى سطح الأرض بعد الحفر والتنقيب ولعل التعبير بالتذكير الذي ورد على لسان الآيات القرآنية « لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » و « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ » شاهداً على صحة المعنى الذي أوردناه . والواقع أن هذا البحث متشعب وشامل لا يسعنا استيعابه في هذه العجالة . 2 - حوادث الاعتبار واليقظة لقد تضمنت العبارة المذكورة إشارة إلى حقيقة وهى أنّ الأنبياء وإلى جانب تعليمهم

--> ( 1 ) لقد ورد الفعل « سمى » بصيغة المجهول في بعض نسخ نهج البلاغة وما ذكرناه سابقاً يتفق وهذه النسخة ، أمّا إذا ذكر بصيغة المعلوم تصبح العبارة بهذا الشكل « من سابق سمى له من بعده » إلّاانّ الاحتمال الأول أنسب . ( 2 ) « نسلت » القرون من مادة « نسل » بمعنى تكاثر الأولاد ، والعبارة كناية رائعة عن توالي القرون وكأن كل قرن قد ولد من القرن السابق .