الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

140

نفحات الولاية

ارتباط بعضهم مع البعض الآخر . فقد استهل كلامه عليه السلام بهذا الشأن قائلًا : « واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم « 1 » وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم » . وعلى هذا الأساس فانّ الأنبياء قد عاهدوا اللَّه منذ بداية الوحي برعايته وايصاله إلى الناس على أنّه أمانة وعهد في أعناقهم . نعم لقد تقبل الأنبياء عليهم السلام هذه المسؤولية العظيمة فجدّوا واجتهدوا في حملها وايصالها إلى الناس كأمانة ووديعة الهية . أمّا الحديث بشأن بعض الأمور من قبيل : كيف اختار اللَّه هذه الصفوة من الأنبياء ، وما حقيقة الوحي ، وكيف يوحى للبعض بينما لا يوحى للبعض الآخر منهم ، فنوكله إلى موضعه « 2 » . والواقع هو أنّ العبارة المذكورة إشارة للآية : « وَإِذ أَخَذنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً » « 3 » . ثم أشار عليه السلام إلى السبب الرئيسي لبعثة الأنبياء فقال : « لما بدل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم فجهلوا حقّه واتخذوا الأنداد « 4 » معه واجتالتهم « 5 » الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته » . فالواقع لقد كانت انعدام معرفة هؤلاء باللَّه سبحانه سبباً لأنّ يهووا في أودية الشرك الرهيبة ومن ثم تتلقفهم الشياطين فتصدهم عن طاعة اللَّه وعبادته . أمّا بشأن المراد بهذه العدّة وماهية العهد الإلهي ، فقد أشار أغلب المفسرين وشرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد به ميثاق عالم الذر ، ويمكن اعتبار ذلك إشارة إلى الفطرة « 6 » التي تطرق لها الإمام عليه السلام في عباراته اللاحقة .

--> ( 1 ) « الميثاق » كما ورد في صحاح اللغة من مادة « الوثوق » بمعنى الاعتماد على أمانة الشخص . ومن هنا أطلق على الميثاق اسم العهد ، لأنّه يدعو إلى الاطمئنان والوثوق ( طبعاً كان الأصل موثاق ثم بدلت الواو بالياء ) . ( 2 ) انظر التفسير الموضوعي « نفحات القرآن » 7 / 317 . ( 3 ) سورة الأحزاب / 7 . ( 4 ) « أنداد » جمع « ند » على ( وزن ) ضد بمعنى المثل ، وأراد هنا المعبودين من دونه سبحانه وتعالى ، بينما قال صاحب المقاييس أنّها تعني الانفصال والهروب والمخالفة . ولهذا قال اللغويون بأن الند لا يطلق على كل مثل ، بل تطلق على المثل الذي يتخذ مساراً يخالف آخر في أعماله وأفعاله كالفرد الذي يماثل آخر إلّاأنّه يحاربه . ( 5 ) « اجتال » من مادة « جولان » بمعنى العصر ، إلّاأنّها اقترنت بالحرف ( عن ) في عبارة الإمام عليه السلام فعنت الانصراف عن الشيء ، ومعناها هنا صرفتهم عن قصدهم . ( 6 ) لقد ذكر هذا الاحتمال في الأبحاث المتعلقة بعالم الذر ، حيث يمكن أن يكون تفسيرها بالمسائل الفطرية والاستعدادات الإلهية التي أودعها اللَّه الذات الإنسانية . وللوقوف أكثر على هذا الموضوع ، راجع تفسير الأمثل 7 / 4 .