الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
132
نفحات الولاية
على ما فرط منه ؟ يبدو أنّ الإمام عليه السلام أجمل عبارته بهذا الشأن ، بينما تصدى القرآن الكريم في أكثر من آية لشرح التفاصيل : فحين استسلم آدم لوساوس الشيطان وأكل من تلك الشجرة المحظورة ، لم تمر عليه مدّة حتى نزع عنه لباس الجنّة وبدت سوأته التي قدر لها أن تخفى ، فشعر بالخجل من الملائكة وطفق يخصف عليها من ورق الجنّة ، ثم أعقب ذلك ما تلقاه من أمر بالهبوط من الجنّة على أنّه يمثل جزاء كل من يولي ظهره لأوامر اللَّه ويستجيب لوساوس الشيطان . إلّاأنّ آدم عليه السلام وخلافاً لسلوك الشيطان وتجربته الخاطئة ، لم يصر على خطأه ويركب رأسه ويواصل معصيته ، فأقبل فوراً على اللَّه سائله بلطفه ورحمته أن يتوب عليه ، فعلمه كيفية التوبة ثم وعده العودة ثانية إلى الجنّة « ثم بسط اللَّه سبحانه له في توبته ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنّته » « 1 » . على كل حال فان قبول التوبة لم يبق على آدم في الجنّة ، حيث لم يعدّ هنالك من مبرر لمواصلة حياته فيها ، فقد تعلم ما كان ينبغي عليه تعلمه وجرب ما كان لابدّ له من تجربته . ولذلك أهبطه اللَّه إلى دار الدنيا - الامتحان - ؛ دار التزاوج والذرية « وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية » . فالذي يستشف بوضوح من هذه العبارة أنّ الدنيا دار البلاء والامتحان ، وما مر في الجنّة كان تحضيراً لخوض هذا الامتحان ، كما لامكان في الجنّة للتزاوج والتناسل ، بل ذلك من مختصات الدنيا . تأمّلات 1 - ما كانت جنّة آدم ؟ ذهب جماعة إلى أنّ الجنّة التي سكنها آدم عليه السلام كانت جنّة الخلد التي وعد اللَّه عباده
--> ( 1 ) هناك كلام في الضمير « جنته » هل يعود إلى اللَّه أم إلى آدم . فلو كان عائداً إلى آدم ، فان ظاهر العبارة يفيد إرجاعه إلى الجنّة التي كان فيها عليه السلام ، وإن عاد الضمير إلى اللَّه فلا لزوم أن تكون تلك الجنّة التي كان فيها آدم ، ويمكن أن تكون جنّة آدم جنّة دنيوية أو الجنّة التي سيعود إليها وهى الجنّة الأخروية كجنّة الخلد ، لكن الظاهر أن الضمير يرجع إلى لفظ الجلالة بقرينة الضمير في توبته ورحمته ، رغم أنّ ظاهر كلمة ( مردّ ) يفيد العودةتلك الجنّة ، ويمكن أن تكون مطلق الجنّة ، بعبارة أخرى ليس هنالك من منافاة بين نوع الجنّة مع المفردة « مردّ » .