الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
نفحات الولاية
أدلة ظنية ، وبناءً على ما تقوم فإنه يتعذر القول بنفي آيات خلقة الإنسان وعبارات نهج البلاغة وفقاً لأقوال هؤلاء . وبعبارة أخرى : ان العلوم تجد سبيلها وتعتمد معاييرها في مثل هذه الفرضيات دون أن تقدح في التعاليم الدينية ، ومن هنا كانت الفرضيات العلمية تشهد التغيير والتحول على الدوام ، فلعل الغد يفرز كشف قرائن جديدة بحيث تحظى فرضية ثبوت الأنواع بأنصار أكثر . على سبيل المثال فقد طالعتنا الصحافة في هذه الأواخر بخبر يفيد العثور على جماجم بشرية تعود لما قبل مليوني سنة وهى لا تفرق كثيراً مع الإنسان المعاصر ؛ الأمر الذي زعزع مرتكزات فرضية التكامل ، وذلك لأنّ أصحاب هذه الفرضية يزعمون أنّ الإنسان الذي كان يعيش قبل مئات الآلاف من السنين لم يكن بهذه الصورة التي عليها الإنسان اليوم أبداً . فالنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها ممّا سبق أنّ هذه الفرضيات ليس لها من صمود واستقرار وغالباً ما تتزلزل أسسها ودعائمها بفعل الاكتشافات والاختراعات الحديثة ، ولكن حيث ليس من سبيل سوى هذا في العلوم الطبيعية بصفته دعامة يعتمد عليها حتى تأتي فرضية أخرى فتطرد سابقتها وتقتحم الميدان . والخلاصة فانّ التعامل مع الفرضيات يختلف عنه تماماً مع المسائل العلمية القطعية ؛ فالمسائل العلمية القطعية من قبيل تركب الماء من ذرتين أوكسجين وذرة هيدروجين هي من أمور الحس والتجربة والتي يمكن البرهنة عليها من خلال الأدلة القطعية ، امّا الفرضيات فهي حدسيات تبرهن بسلسلة من القرائن الظنية ، وهى تحظى بالقبول والتأييد مالم تقم القرائن العلمية المخالفة لها ، دون أن يدعي أحد قطعيتها « 1 » . 2 - التركيب المزدوج للجسم والروح يستفاد ممّا مرّ معنا في هذه الخطبة المسنجمة والآيات القرآنية أنّ الإنسان خلق من عنصرين : العنصر المادي المركب من الماء والتراب ( أبسط مواد العالم ) والعنصر الآخر هو الروح الإلهية السامية ، وهذا هو سر التضاد الباطني للإنسان حيث تتنازعه الدوافع التي
--> ( 1 ) راجع من أجل الوقوف بصورة أعمق كتاب « الداروينية وآخر فرضيات التكامل » . كما استعرضنا ذلك بصورة مقتضبة في تفسيرنا الأمثل 11 / الآية ذيل الآيات 26 حتى 44 من سورة الحجر .