الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

113

نفحات الولاية

كان بلوغ الأهداف المرسومة يتطلب تشخيصاً وتمييزاً للحق من الباطل والصواب من عدمه وكافة المحسوسات المختلفة ، فانّه يتحدث عن إحدى قوى النفس المهمّة والتي تعتبر في الواقع المرحلة الخامسة ، ألا وهى قوة التمييز ولا يراد بها سوى المعرفة « ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل » . كما يتمكن بواسطة هذه القوة من تمييز المحسوسات من قبيل الأطعمة والأذواق و . . . « والأذواق والمشام والألوان والأجناس » « 1 » . والواقع ان قدرة التمييز والتشخيص والمعرفة لمن أهم قوى الإنسان العقلية التي تشمل الأمور المعنوية كالحق والباطل كما تشمل الأمور المادية المحسوسة كالألوان والمشام والأذواق . فهل قوّة التمييز هذه هي قوة مستقلة ، أم داخلة في مفهوم الذهن والفكر في العبارة السابقة ؟ يبدو من كلامه عليه السلام أنّها قوّة مستقلة ، جدير بالذكر أنّ الحديث تطرق لأربعة أصناف من الأمور المادية والمحسوسة وهى : الأذواق ، المشام ، الألوان والأجناس التي تشير هنا إلى مختلف أنواع الموجودات « 2 » . من قبيل مختلف أنواع النباتات ، الطيور والحيوانات وما إلى ذلك ، امّا عدم الإشارة إلى المسموعات ( الأصوات ) والملموسات فلأن بيان الأقسام الثلاث كان على نحو المثال ، فذهن كل مستمع سينتقل إلى بقية ذلك من خلال الأقسام الثلاث المذكورة . ثم ينتقل الإمام علي عليه السلام ليشير إلى أهمّ خصائص الإنسان التي تشكل المصدر الرئيسي لأغلب ظواهر حياته فيقول : « معجوناً « 3 » بطينة الألوان المختلفة » . ولعل هذه العبارة إشارة إلى اختلاف ألوان الناس وأعراقهم المتفاوتة ، أو اختلاف لون أجزاء البدن حيث إنّ بعضها تام البياض ( كبياض العين والعظام ) والآخر تام السواد ( كالشعر ) وسائر الألوان التي يكسبه خلطها جمالًا خاصاً ، كما يمكن أن يكون المراد بها معنى أوسع بحيث يشمل سائر الاستعدادات والغرائز المختلفة . ثم أضاف الإمام عليه السلام قائلًا : « والأشباه المؤتلفة » من قبيل الأوردة والشرايين والأعصاب

--> ( 1 ) أنّ العبارة « والأذواق والمشام والألوان والأجناس » هي عطف على عبارة الحق والباطل ، بينما عدها البعض عطفاً على المعرفة . في حين يفيد التأمل في كلامه عليه السلام أن المعنى الأول هو الأنسب . وعلى ضوء المعنى الأول فان قوّة التمييز المعرفة ستشمل كل هذه الأمور ، امّا على أساس المعنى الثاني فانّ المعرفة تعدّ من النعم الإلهية ، كما أن قوّة الشامة والباصرة والذائقة هي نعمة أخرى ( لابدّ من التأمل هنا ) . ( 2 ) « الجنس » في اللغة بمعنى الأقسام والأنواع المختلفة ، وهناك القرائن الواردة في خطب نهج البلاغة التي تدل على هذا المعنى ومنها الخطبة رقم 91 . ( 3 ) « معجوناً » حال للإنسان الذي ورد في العبارة السابقة .