الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

100

نفحات الولاية

فقال عليه السلام : « لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان » . على العكس من الناس الذين يشعرون تدريجياً بالفتور من جراء تكرار العبادة فيخالطهم النعاس فيصاب الجسم بالوهن والضعف ويعرض لهم السهو والنسيان . إلّا أنّ الملائكة بعيدون كل البعد عن هذه الحالات والعوارض . فهم على درجة من العشق للعبادة والاستغراق في المناجاة والتسبيح بحيث لا يعرض عليهم النوم والغفلة والفتور قط . وبعبارة أخرى فان الفتور في إداء الوظائف إنّما يستند إلى أمور ليست لها من سبيل إلى الملائكة أبداً . فأحياناً تتمثل تلك الأمور بالتعب وغفو العين وسهو العقول وضعف البدن وأحياناً أخرى بالغفلة والنسيان ولما كانت أي من هذه الأمور ليست لها من سبيل إلى الملائكة ، فانّهم لا يفترو في عبادتهم قط . ثم يعرض عليه السلام إلى القسم الثاني من الملائكة وهم السفراء بينه تعالى وبين المكلفين من البشر بتحمل الوحي الإلهي إلى الرسل « ومنهم امناء على وحيه والسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره » فهم في الواقع الواسطة بين اللَّه والأنبياء . ونفهم من هذه العبارة أنّ السفارة الإلهي لا تقتصر على جبرئيل عليه السلام ، بل هو في الحقيقة زعيم سفراء اللَّه ، القرآن بدوره أشار إلى هذا الصنف من الملائكة : « قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ » « 1 » ، وقال في آية أخرى : « قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذنِ اللَّهِ » « 2 » ، كما أشار أحياناً إلى الملائكة من حملة الوحي فقال : « يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » « 3 » . كما أشارت بعض الروايات الإسلامية وسائر خطب نهج البلاغة إلى هذا المعنى أيضاً . وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ المراد بالقضاء والأمر الإلهي الوارد في العبارة التي نخوض فيها هو الأحكام والأوامر الدينية الشرعية ، لا القضاء والأوامر التكوينية التي احتملها البعض

--> ( 1 ) سورة النحل / 102 . ( 2 ) سورة البقرة / 97 . ( 3 ) سورة النحل / 2 .