الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
88
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
بناءً على عدم الاقتضاء أيضاً ، لأنّ الأمر بالشيء لو لم يقتض النهي عن ضدّه فلا أقلّ من اقتضائه عدم الأمر بضدّه وإلّا يلزم التكليف بالمحال ؛ لامتناع الجمع بين الضدّين ، فإذا لم يكن الضدّ مأموراً به بطل إذا كان عبادة ، لأنّ صحّتها متوقّفة على تعلّق الطلب بها « 1 » . وقد أجيب عنه بوجوه : الوجه الأوّل : أنّه يكفي في صحّة العبادة مجرّد قصد الملاك والمصلحة والرجحان الذاتي ، ولا ينحصر قصد القربة المعتبرة في العبادات بقصد الأمر فقط كي إذا سقط الأمر بطلت العبادة ، كما مرّ بيانه في مبحث التعبّدي والتوصّلي . الوجه الثاني : أنّ متعلّق الوجوب في الصلاة مثلًا إنّما هو طبيعة الصلاة ، وخصوصيّة الأفراد خارجة عن دائرة الأمر ، ولا إشكال في أنّ تكليف العباد بإيجاد ماهيّة لا يتوقّف على كون جميع أفرادها مقدورة ، وحينئذٍ سقوط الأمر بالنسبة إلى بعض الأفراد - وهو الفرد المزاحَم فيما نحن فيه - لا يوجب سقوط الأمر بالطبيعة مطلقاً ، وإذا كان الأمر بالطبيعة باقياً على حاله أمكن الإتيان بذاك الفرد المزاحَم بقصد ذلك الأمر المتعلّق بكلّي الصلاة . الوجه الثالث : أنّه يمكن الالتزام بوجود أمر خاصّ بالضدّ إذا كان أحدهما مهمّاً والآخر أهمّ ، بأن يكون الأمر بالمهمّ على فرض عصيان الأمر بالأهمّ ومشروطاً بعدم امتثاله ، وحينئذٍ يكون الأمر بالأهمّ مطلقاً ، وأمّا الأمر بالمهمّ فهو مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ على نحو الشرط المتأخّر ، أو مشروط بالبناء على المعصية أو إرادة المعصية على نحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، وهذا هو المراد من الأمر بالضدّين على نحو الترتّب ، وقد وقع البحث في أنّه هل يجوز الأمر بالضدّين على نحو الترتّب ، أو لا ؟
--> ( 1 ) . زبدة الأصول ، ص 118