الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الأمر الخامس : أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة ذهب المشهور إلى القول بوجوب المقدّمة واستدلّوا له بوجوه : الوجه الأوّل : عدم إمكان تخلّف إرادة المقدّمة عند إرادة ذيها بعد الالتفات إلى كون الشيء مقدّمة وأنّه لا يمكن التوصّل إلى المطلوب إلّابها ، ويظهر ذلك بقياس إرادة الآمر بإرادة الفاعل ، فهل ترى أنّك لو أردت شيئاً وكان ذلك الشيء يتوقّف على مقدّمات يمكنك أن لا تريد تلك المقدّمات ؟ لا ، بل لابدّ من أن تتولّد إرادة المقدّمات من إرادة ذلك الشيء قهراً عليك ، بحيث لا يمكنك أن لا تريدها بعد الالتفات إلى المقدّمات ، وإلّا يلزم أن لا تريد ذا المقدّمة ، وهذا واضح وجداناً ، وإرادة الآمر حالها حال إرادة الفاعل « 1 » . وأورد عليه ، أوّلًا : أنّ البرهان لم يقم على التطابق بين التشريع والتكوين من جميع الجهات ، لو لم نقل بقيامه على خلافه ، وتوضيح الفرق أنّ تعلّق الإرادة بالمقدّمات من الفاعل الذي أراد الوصول إلى شيء أنّه يرى أنّ الوصول إلى الغاية المطلوبة لا يحصل إلّابإيجاد مقدّماته ، فلا محالة يريده مستقلًاّ بعد تماميّة مقدّماتها ، وأمّا الآمر غير المباشر فالذي يلزم عليه هو البعث نحو المطلوب وإظهار ما تعلّقت به إرادته ببيان وافٍ ، بحيث يمكن الاحتجاج به على العبد ، ويقف العبد به على مراده حتّى يمتثله ، وأمّا إرادة المقدّمات فلا موجب له بعد حكم العقل بلزوم إتيانها . والحاصل أنّه فرق بين المباشر والآمر فإنّه لا مناص في الأوّل عن تعدّد الإرادة ، لأنّ المفروض إنّه المباشر للأعمال برمّتها فلا محالة تتعلّق الإرادة بكلّ ما يوجده بنفسه ، وأمّا الآمر فيكفي في حصول غرضه بيان ما هو الموضوع لأمره وبعثه ، بأن يأمر به ويبعث نحوه ، والمفروض أنّ مقدّمات المطلوب غير خفي على المأمور ، وعقله يرشد إلى لزوم إتيانها ، فحينئذٍ لأيّ ملاك تنقدح إرادة أخرى متعلّقة

--> ( 1 ) . انظر : مبادئالوصول ، ص 106 ؛ الإحكام في أصول الأحكام ، للآمدي ، ج 1 ، ص 111 ؛ فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 284