الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
65
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
القبلة والطهارة بالنسبة إلى الصلاة ، والمتأخّر كالأغسال الليليّة بالنسبة إلى صحّة صيام المستحاضة في اليوم الماضي عند بعض . واستشكل في المتأخّر والمتقدّم بأنّ العلّة التامّة يجب عقلًا أن تكون مقارنة للمعلول زماناً وإن كانت متقدّمة عليه رتبة ، إذ لا يعقل التفكيك بينهما في الزمان ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر إنّا نشاهد أمثلة لهما في الشرع كالأمثلة المزبورة ، كما نشاهدها في العرفيّات نظير ما إذا أمر المولى عبده باستقبال زيد وإعداد مقدّمات الاستقبال قبل قدومه من السفر ، فقدوم زيد في المستقبل شرط لوجوب الاستقبال وتهيئة مقدّماته في الحال ، إذن لابدّ لدفع الإشكال من وجدان طريق لحلّ هذه الموارد . والأولى أن يقال : إنّ مقامنا هذا يكون من موارد الخلط بين الأمور التكوينيّة والاعتباريّة ، فإنّ الأحكام الشرعيّة أمور اعتباريّة لا واقع لها إلّااعتبار الشارع ، وقضيّة استحالة التفكيك بين العلّة والمعلول تختصّ بالتكوينيّات ، وأمّا الاعتباريّات فأمر وضعها ورفعها وجعل الشرائط فيها مقارنة أو متأخّرة أو متقدّمة إنّما هو بيد الشارع المعتبر ، فإنّ الشارع كما يمكن له اعتبار شرط مقارن للواجب يمكن له اعتبار شرط متقدّم عليه أو متأخّر عنه . إن قلت : إنّ للشرائط الشرعيّة دخلًا في تحقّق المصالح المترتّبة على الواجبات ، ولا إشكال في أنّها مصالح واقعيّة تكوينيّة ، إذن كيف يمكن أن يؤثّر شرط اعتباري متأخّر في مصلحة تكوينيّة متقدّمة ؟ قلت : إنّ المصالح التكوينيّة المترتّبة على الواجبات الشرعيّة الاعتباريّة إنّما تتحقّق في الخارج بعد تحقّق الواجب الاعتباري بجميع أجزائه وشرائطه المقارنة والمتأخّرة والمتقدّمة ، فمصلحة صيام المستحاضة مثلًا تتحقّق في الخارج بعد تحقّق الصيام بجميع شرائطه ومنها الغسل الليلي المتأخّر ولم يدّع أحد تحقّق المصلحة بمجرّد تحقّق الشرط المتقدّم أو المتأخّر فحسب ، حتّى يلزم التفكيك بين العلّة والمعلول .