الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
36
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
والطريق الصحيح عندنا هو حكمة الباري ، ومقتضاها ثبوت الملازمة مطلقاً ، وكيف يعقل ترك التكليف من المولى الحكيم إذا كان في الفعل مصلحة تامّة قطعيّة أو مفسدة كذلك ؟ ومن المعلوم أنّ ترك الأمر والنهي في هذه المقامات منافٍ للحكمة ، فإذا أدرك العقل المصلحة التامّة في أمر وأدرك علّية ذلك للحكم بتبعية الأحكام الشرعيّة للمصالح والمفاسد يكشف أيضاً حكم الشارع به وإنشاءه . أدلّة منكري الملازمة : الوجه الأوّل : أنّها مخالفة لقوله تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 1 » ، فإنّها تدلّ على أنّه لا عقاب من دون إرسال الرسل وقبل صدور الأدلّة السمعيّة « 2 » . ويرد عليه ، أوّلًا : أنّ المراد من العذاب في الآية ليس مطلق العذاب ، بل المراد منه عذاب الاستئصال الذي يوجب الهدم والهلاك في الدنيا كالطوفان لقوم نوح عليه السلام والغرق لقوم فرعون والصيحة السماويّة لأقوام اخر ، فالآية إشارة إلى هذا النوع من العذاب ، ويشهد لذلك ما وردت بعدها من قوله تعالى : « وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » « 3 » ، ولا أقلّ من أنّه ليس للآية إطلاق يشمل غير عذاب الاستئصال فإنّها محفوفة بما يصلح للقرينيّة . وثانياً : أنّ الآية كناية عن إتمام الحجّة ويكون ذكر بعث الرسل فيها من باب الغلبة ؛ لأنّ جلّ الأحكام وصلت إلينا من طريق الأدلّة السمعيّة ، فيكون مفاد الآية
--> ( 1 ) . سورة الإسراء ، الآية 15 ( 2 ) . انظر : الوافية في أصول الفقه ، ص 171 و 172 ؛ المحصول ، للرازي ، ج 1 ، ص 148 ؛ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ، ج 1 ، ص 92 ( 3 ) . سورة الإسراء ، الآيتان 16 و 17