الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

353

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وعلى كلّ حال استدلّ لجواز التقليد بأمور أربع : الأمر الأوّل - وهو العمدة في المسألة - : سيرة العقلاء في جميع الأعصار وفي جميع الصنائع والتجارات والعلوم البشرية كعلم الطب وشعبه وسائر العلوم ، بل جميع المجتهدين والمتخصّصين للعلوم البشرية يكون تخصّصهم واجتهادهم في فنون طفيفة معدودة ، وأمّا بالنسبة إلى سائر الفنون فيكونون مقلّدين ، فالمجتهد في علم الفقه مثلًا يقلِّد الأطبّاء في علم الطبّ ، والطبيب يرجع إلى الفقهاء في أحكام دينه . وهذا البناء للعقلاء يكون في الواقع ناشئاً من انسداد صغير فإنّهم يلاحظون في الأموال مثلًا أنّهم لو اعتمدوا فيه على العلم فقط وأنكروا حجّية اليد على الملكيّة لانسدّ باب العلم في هذا المقام ، ولذلك يعتبرون حجّية كثير من الأصول والقواعد كقاعدة اليد وغيرها ، وهكذا بالنسبة إلى الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ علمٍ . الأمر الثاني : الاستدلال بالكتاب العزيز بجملة من الآيات : منها : آية النفر ، وهي قوله تعالى « فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ » « 1 » . وقد مرّ الكلام فيه تفصيلًا في مبحث حجّية خبر الواحد ، وينبغي هنا أن نشير إلى نكتة منها فقط ، وهي أنّ هذه الآية ناظرة إلى باب الاجتهاد والتقليد لا باب الرواية ، فإنّ التفقّه الوارد فيها بمعنى الاجتهاد والاستنباط عن نظر وبصيرة ، وإلّا ربّ حامل رواية وفقه إلى من هو أفقه منه . كما أنّ الإنذار أيضاً من شؤون المجتهد لا الراوي ، وإنّما يقدر على الإنذار من كان بصيراً بالحكم الإلهي ، وعالماً متيقّناً به ، وقادراً على تمييز الواجب عن المستحبّ ، وناظراً في الحلال والحرام ، وقد مرّ أيضاً أنّ كلمة « لعلّ » فيها كناية عن

--> ( 1 ) . سورة التوبة ، الآية 122