الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
323
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
ثانيهما : ما يكون الدليل فيه في أقلّ مراتب الحجّية فلا يجترئ الفقيه للفتوى لشدّة ورعه ، ولأن لا يبعّد المكلّفين مهما أمكن عن الأحكام الواقعيّة ، ولكن لو مسّت الحاجة إلى تبيين الحكم كان قادراً عليه ؛ لأنّ المسألة إمّا ورد في نصّ يبلغ مرتبة الحجّية أم لا ، وعلى تقدير وروده إمّا يوجد معارض أم لا ، وعلى تقدير عدم وروده إمّا يكون هناك إطلاق أو عموم ، أو لا يوجد شيء من ذلك ما عدى الأصول العمليّة الّتي تكون حاصرة لمواردها حصراً عقلياً ، والوظيفة في جميع هذه الفروض معلومة مبيّنة ، لا معنى لعجز الفقيه الماهر عن تشخيصها . نعم ، لمّا كانت الاحتياطات الكثيرة موجبة لخروج الشريعة عن كونها سهلة سمحة فالجدير أن يلاحظ فيها أمرين : الأوّل : أن يكون المورد من الموارد الّتي لا توجب للمقلّد الكلفة والمشقّة الشديدة في مقام العمل ، نظير الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام في الصوم والصلاة ؛ بأن يصوم شهر رمضان مثلًا تماماً ثمّ يقضيه تماماً وهكذا يجمع بين صلواته . الثاني : كون المورد من الموارد الّتي لا يمكن فيها تحصيل الحدّ الأقلّ من الحجّة بسهولة ، وإلّا ففي غير هذين الموردين فاللازم على المجتهدين ترك الاحتياط وإظهار الفتوى . المسألة الثانية : جواز العمل برأي المجتهد المطلق لا ريب في جواز عمل المجتهد برأيه في أعماله ، لشمول الخطابات الشرعيّة وأدلّة الأمارات المعتبرة والأصول العمليّة له ، فبعد ثبوتها عنده يجب العمل على طبقها ، بل يكون تقليده لغيره حراماً ، لأنّه على الفرض يرى المخالف له في فتواه جاهلًا ومخطئاً ، أي قامت الحجّة عنده على أنّ ما يقوله المخالف ليس حكم اللَّه ، فكيف يرجع إليه ويلتزم بفتواه في مقام العمل ؟