الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

295

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

موارد قيام الأمارة . ولو تنزّلنا عن ذلك ، فيمكن أن يقال بالتخصيص في الجملة ، أي التوفيق العرفي بين أدلّة الأمارات وأدلّة الاستصحاب بتخصيص عموم الاستصحاب بموارد قيام الأمارة ، والإنصاف أنّ هذا صادق بالنسبة إلى بعض الأمارات قطعاً ، نظير موارد قيام قاعدة اليد ، حيث إنّه لو لم تكن اليد مقدّمة على الاستصحاب ومخصّصة لأدلّته ، لما بقي لقاعدة اليد مورد ، وذلك لأنّها في جميع مواردها مزاحمة باستصحاب عدم التملّك ، وهكذا في أصالة الصحّة وقاعدة الفراغ حيث إنّهما معارضتان مع استصحاب عدم إتيان العمل صحيحاً في جميع الموارد ، فمع عدم تقديم هذه الأمارات على الاستصحاب الجاري في مواردها لم يبق للأمارات مورد أصلًا . ولكنّه لا يجري بالنسبة إلى بعض الأمارات كخبر الواحد ، فإنّه قد يكون معارضاً مع الاستصحاب وقد لا يكون ، هذا كلّه في الأمارات المخالفة مع الاستصحاب . أمّا الأمارات الموافقة كما إذا قامت البيّنة على طهارة شيء كان طاهراً سابقاً ففيها أيضاً يأتي ما مرّ من ورود أدلّة الأمارات على أدلّة الاستصحاب بنفس البيان السابق ، وهو أنّ مورد الاستصحاب هو الشكّ في الحكم الواقعي بمعنى الحيرة والتردّد ، والأمارة تزيلها . وبعبارة أخرى : إنّ لليقين في أدلّة الاستصحاب معنىً يعمّ اليقين وما يحصل من الأمارة ، وحينئذٍ مع وجود الأمارة لا تصل النوبة إلى الاستصحاب ، وأمّا استدلال الفقهاء بالأصول ومنها الاستصحاب في جنب سائر الأدلّة فهو مع قطع النظر عن وجود الأمارة . ولو تنزّلنا عن الورود فلا أقلّ من الحكومة أيضاً كالأمارات المخالفة ؛ لأنّ أدلّة الأمارات مفادها في الواقع « نزّله منزلة اليقين ولا ترتّب آثار الشكّ » . نعم ، لا سبيل إلى التخصيص هنا ، لأنّه فرع مخالفة العامّ مع الخاصّ بلا إشكال ، ولذا لا يخصّص قولك « أكرم العلماء » بقولك « أكرم زيداً العالم » عند العرف .