الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
229
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
تركناها وأوكلناها إلى محالّها ، حذراً من خلط المسائل الاصوليّة بمسائل سائر العلوم وعدم انتظام هذا العلم وتشويهه . المقام الثالث : دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين الظاهر قيام الإجماع على البراءة عن الأكثر فيه ، ووجهه واضح ، لرجوعه إلى الشبهة البدويّة بالنسبة إلى الأكثر ، كما إذا دار الأمر في الصلوات الفائتة بين عشر صلوات وخمس عشرة ، هذا في الشبهة الموضوعيّة ، وفي الشبهة الحكميّة كما إذا علمنا بفوات عدّة صلوات يومية وغيرها كصلاة الآيات ، وشككنا في وجوب قضاء غير اليوميّة ، فتجري البراءة بالنسبة إلى خمس صلوات في المثال الأوّل وبالنسبة إلى غير اليوميّة في المثال الثاني . نعم ، إذا كان في البين أصل موضوعي يوجب ارتفاع موضوع البراءة فلا إشكال في تقدّمه عليها ، كما إذا شككنا في أنّ الدين كان عشرة دنانير أو خمسة عشر ديناراً وكان له حالة سابقة تثبت اشتغال الذمّة . ثمّ إنّ المحقّق النائيني رحمه الله قد تفطّن في المقام إلى جريان هذا القسم من الدوران في الشبهات التحريميّة أيضاً - ونعم ما تفطّن به - ومثّل له بتردّد الغناء بين أن يكون هو مطلق ترجيع الصوت أو بقيد كونه مطرباً . وقال : الظاهر أن تكون الشبهات التحريميّة على عكس الشبهات الوجوبيّة ، فإنّه في الشبهات الوجوبيّة يكون الأقلّ متيقّن الوجوب والأكثر مشكوكاً ، وفي الشبهات التحريميّة يكون الأكثر متيقّن الحرمة - كترجيع الصوت المطرب - والأقلّ مشكوكاً - كالترجيع بلا طرب - والأقوى جريان البراءة عن حرمة الأقلّ مطلقاً ؛ سواء كانت الشبهة حكميّة كما في المثال ، أو موضوعيّة كما إذا شككنا في كون الصوت الفلاني مطرباً أو غير مطرب ؛ وسواء كان الأقلّ والأكثر من الإرتباطيين أو غيره « 1 » .
--> ( 1 ) . فوائد الأصول ، ج 4 ، ص 148 و 149