الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
204
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
قول الشارع « اجتنب عن الخمر » يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الإناءين أو أزيد ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلًا مع أنّه لو اختصّ الدليل بالمعلوم تفصيلًا خرج الفرد المعلوم إجمالًا عن كونه حراماً واقعياً وكان حلالًا واقعياً ولا أظنّ أحداً يلتزم بذلك . وأمّا عدم المانع فلأنّ العقل لا يمنع من التكليف عموماً أو خصوصاً بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه في أمرين أو أمور والعقاب على مخالفة هذا التكليف ، وأمّا الشرع فلم يرد فيه ما يصلح للمنع عدا ما ورد من قولهم عليهم السلام « كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه » و « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه » وغير ذلك . ولكن هذه الأخبار وأمثالها لا يصلح للمنع لأنّها كما تدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم إجمالًا لأنّه أيضاً شيء علم حرمته » « 1 » . فحاصل استدلال الشيخ الأعظم رحمه الله لحرمة المخالفة القطعيّة أنّ المقتضي وهو إطلاقات أدلّة الأحكام وعموماتها موجود ، والمانع وهو البراءة العقليّة والنقلية مفقود ، وقد تبعه سائر الأعلام فأنكروا جريان الأصول المرخّصة هنا ؛ للزوم التناقض بين حكم العقل بلزوم الاجتناب عن جميع الأطراف مقدّمة للاجتناب عن الحرام المنجّز ، وبين الترخيص في جميع الأطراف . ولكن يرد على ما أفادوه : النقض بالشبهات غير المحصورة والشبهات البدوية ؛ لأنّه وإن كان الموجود فيها احتمال الإصابة إلى الواقع لكن لا إشكال في استلزامه احتمال التناقض ، واحتمال اجتماع النقيضين محال كالعلم به ، وهذا هو الشبهة المعروفة لابن قبة الّتي تصدّى الأعلام للجواب عنها بإسقاط أحد الحكمين عن الفعليّة وإرجاعه إلى مرحلة الإنشاء ، وبهذا ذهبوا إلى أنّ العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة والشبهات البدوية يكون مقتضياً للتنجّز .
--> ( 1 ) . فرائد الأصول ، ج 2 ، ص 200 و 201