الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

185

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ عمدة ما استدلّ به القائلون بالحظر مالكية الباري تعالى وأنّ العالم كلّه ملك له والتصرّف في ملك الغير بدون إذنه قبيح عقلًا لا سيّما بالنسبة إلى المالك الحقيقي ، ونتيجته أنّ الأصل في الأشياء الحظر إلّاما أذن اللَّه تعالى به . ولا يخفى أنّ هذا مبنيّ على ثبوت الحسن والقبح العقليين والقول بالمستقلّات العقليّة . ويرد عليها ، أوّلًا : أنّ الإذن حاصل في المقام بدليل الحكمة ، فإنّ الحكمة تقتضي أن يكون خلق الأشياء للانتفاع والتمتّع بها فلا معنى مثلًا لخلق الرياحين والفواكه مع المنع عن أيّ تصرّف فيها للانسان الذي هو أشرف المخلوقات . وثانياً : أنّه يمكن أن يستدلّ ببعض الآيات على وجود الإذن من اللَّه بالنسبة إلى تصرّفات عبيده كقوله تعالى : « خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « 1 » ، وقوله تعالى : « وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ » « 2 » . وثالثاً : الاستدلال بأدلّة البراءة الشرعيّة حيث تدلّ بالالتزام على وجود الإباحة المالكية أيضاً ، وإن كان مدلولها المطابقي الإباحة الظاهريّة المولويّة . تنبيهات أصالة البراءة : 1 . اشتراط عدم وجود أصل موضوعي إنّ أصالة البراءة كسائر الأصول الحكميّة يشترط في جريانها عدم وجود أصل موضوعي ينقّح حال الموضوع ، وإلّا فلو كان في المقام أصل جارٍ من ناحية الموضوع لكان حاكماً على الأصل الحكمي نظير استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير العنبي فيما إذا شككنا في ذهاب الثلثين وعدمه ، فهو حاكم على أصالة الإباحة ومانع عن جريانها ، لأنّه بمنزلة الأصل السببي وأصالة الإباحة أصل

--> ( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 29 ( 2 ) . سورة الرحمن ، الآية 10