الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

159

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الأوّل : أنّ الآية تدلّ على نفي فعليّة العذاب لا نفي استحقاقه ، ونفي الفعليّة ليس لازماً مساوياً لنفي الاستحقاق حتّى يدلّ نفيها على نفيه ، بل هو أعمّ من كونه من باب عدم الاستحقاق أو من باب تفضّله تبارك وتعالى على عباده مع استحقاقهم للعذاب ، فلا يصحّ الاستدلال بالآية على البراءة « 1 » . ويمكن الجواب عنه بأنّ ما يهمّنا في الفقه إنّما هو الأمن من العذاب ، وهو حاصل بنفي الفعليّة سواء لزمه نفي الاستحقاق أم لا . الثاني : النقض بالمستقلّات العقليّة ، فإنّه لا إشكال في تعذيبه تعالى على ترك المستقلّات العقليّة ، كقبح قتل النفس المحترمة والسرقة والخيانة وغيرها من المعاصي الّتي يحكم بقبحها العقل مستقلًاّ ، ولو وقعت قبل بعث الرسل « 2 » . والجواب عنه : أنّ الآية منصرفة إلى أحكام تحتاج إلى البيان ، ولا حاجة إلى البيان في المستقلّات العقليّة الّتي لا يصحّ فيها الاعتذار بقولهم : « لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى » . فظهر بذلك أنّ الآية الشريفة صالحة للاستدلال بها على أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة . ومنها : قوله تعالى : « وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » « 3 » ، ودلالتها على المدّعى تتمّ إذا كانت « يضلّ » بمعنى « يعذّب » لأنّ مفادها حينئذٍ عدم العقاب بلا بيان ، فالمهمّ في المقام تعيين معنى « يضلّ » بعد عدم تصوّر معناها اللغوي المعروف بالنسبة إلى الباري تعالى ، فنقول : يحتمل فيها أربعة وجوه : 1 . أن يكون بمعنى التعذيب .

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 339 ( 2 ) . العدّة في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 746 ؛ الفوائد المدنية ، ص 236 - 237 ( 3 ) . سورة التوبة ، الآية 115