الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
ويردّه : أنّ هذا الوجه لا يوجب ترجيحاً للنهي على الأمر ، لأنّ المقصود من عدم البيان في مقدّمات الحكمة ليس هو عدم البيان إلى الأبد حتّى يكون كلّ بيان وارداً ومقدّماً عليه ، بل المقصود هو عدم البيان في مقام التخاطب وفي زمان البيان ، فإذا لم يرد بيان في مقام البيان والتخاطب تمّت مقدّمات الحكمة وصار المطلق ظاهراً في العموم البدلي ، ولا فرق بينه وبين العامّ من حيث قوّة الدلالة وضعفها . الوجه الثاني : ما هو ناظر إلى عالم الثبوت وهو أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة ، ولا إشكال في أنّ ترك المنهيّ عنه دفع للمفسدة ، والعمل بالمأمور به جلب للمنفعة . وهذا الوجه أيضاً غير تامّ صغرى وكبرى : أمّا الصغرى فلأنّ الموارد مختلفة : فتارةً يكون وجود الواجب سبباً لجلب المنفعة كأكثر الواجبات ، وأخرى يكون سبباً لترك المفسدة كوجوب النهي عن المنكر . وأمّا الكبرى فلأنّها لا دليل عليها شرعاً ولا عقلًا ولا عقلائيّاً : أمّا شرعاً فلأنّا نشاهد موارد كثيرة في لسان الشرع قدّم جلب المنفعة فيها على دفع المفسدة ، منها الجهاد فإنّه سبب لعزّ الإسلام مع ما فيه من الأضرار الكثيرة بالنسبة إلى الأموال والنفوس . وأمّا عقلًا فلأنّ العقل ينظر إلى ميزان الأهمّية من دون فرق بين المصلحة والمفسدة ، فإن رأى أنّ درجة أهمّية المفسدة أكثر يقدّمها على المصلحة وإن رأى أنّ درجة أهمّية المنفعة أكثر يقدّمها على المفسدة ولا خصوصيّة في ميزانه للمفسدة من حيث هي مفسدة . وأمّا عقلائياً فلأنّا نشاهدهمأنّهم تارةً يقدّمونالمفسدة علىالمصلحة وأخرى بالعكس فيما إذا استهدفوا مصلحة عظيمة فإنّهم مثلًا في الصناعات والتجارات يصرفون ثروة عظيمة بعنوان رأس المال ويستقبلون المضارّ الكثيرة لمنافع هامّة محتملة . فظهر أنّه لا دليل على قاعدة عامّة بعنوان أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة .