الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

345

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وأمّا المانعون فاحتجّوا للمنع بوجوه عمدتها وجهان : الأوّل : أنّ الكتاب قطعي وخبر الواحد ظنّي ، والظنّي لا يعارض القطعي لعدم مقاومته له فيلغى بالمرّة . وأجيب عنه : بأنّ الدوران والتعارض يقع في الحقيقة بين أصالة العموم في العامّ الوارد في الكتاب وهو من الدليل الظنّي ، وبين دليل حجّية الخبر ، وحيث إنّ الخاصّ أقوى دلالة من العامّ ، فلا شبهة في تقديمه عليه بعد أن ثبتت حجّيته بدليل قطعي . وببيان آخر : أنّ الخبر بدلالته وسنده صالح عرفاً للقرينية على التصرّف في أصالة العموم بخلاف أصالة العموم ؛ فإنّها لا تصلح لرفع اليد عن دليل اعتبار الخبر ، لأنّ اعتبار أصالة العموم منوط بعدم قرينة على خلافها ، والمفروض أنّ الخبر الخاصّ بدلالته وسنده يصلح لذلك ، فلا مجال لأصالة العموم مع القرينة على خلافها . هذا هو المشهور في الجواب عن هذا الوجه ، ويمكن الجواب عنه أيضاً بما بيّناه سابقاً من أنّ العمومات الواردة في الكتاب والسنّة يجوز تخصيصها لحكمة تدريجيّة بيان الأحكام في الشريعة المقدّسة الّتي جرت عليها سيرة الشارع ، وفي خصوص الكتاب جرت أيضاً على بيان امّهات الأحكام غالباً وفوّض شرحها وبيان جزئياتها إلى سنّة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام ، فالقرآن حينئذٍ بمنزلة القانون الأساسي في يومنا هذا الذي فيه بيان امّهات المسائل فقط . الثاني وهو العمدة : الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الأخبار المخالفة للقرآن باطلة أو يجب طرحها أو غيرهما من المضامين المشابهة ، كقول الصادق عليه السلام : « إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وإلّا فالذي جاءكم به أولى به » « 1 » ، و « ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف » « 2 » ، و « أنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً فما وافق كتاب اللَّه فخذوه ، وما خالف كتاب

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، ح 11 ( 2 ) . المصدر السابق ، ح 12